
وعلى حد قولي:
المرأةُ شمسُ الدروبِ إذا ادلهمَّ ليلُ المدى
وهي الندى حين يجفُّ في الحقولِ الصدى
إن ضاق صدرُ الزمانِ وساءت الأحوالُ
مدّت يدَ الحبِّ حتى يبتسمَ الغدُ
يأتي اليوم العالمي للمرأة كل عام ليذكّر العالم بالدور العميق الذي تقوم به المرأة في بناء المجتمعات وصناعة الحياة. وليس المقصود بذلك يوماً احتفالياً عابراً بقدر ما هو وقفة تأمل في مسيرة طويلة من العطاء والصبر والتضحيات التي قدّمتها المرأة عبر التاريخ. وعندما نتحدث عن المرأة السودانية فإننا نتحدث عن نموذج إنساني فريد جمع بين الأصالة والقيم الدينية والصلابة الاجتماعية والقدرة على العمل والبذل في كل الميادين.
المرأة السودانية نشأت في بيئة تربوية متجذرة في الدين والقيم والأخلاق. فهي منذ الصغر تتعلم أن رسالتها في الحياة ليست مجرد وجود عابر، بل دور متكامل يبدأ بالأسرة ويمتد إلى المجتمع بأكمله. وقد منح الإسلام المرأة مكانة عظيمة لم تعرفها كثير من الحضارات السابقة، فكرّمها بنتاً وأماً وزوجة وأختاً، وجعل لها حقوقاً ثابتة لا تحتاج إلى مظاهرات أو مطالبات لأن مصدرها تشريع إلهي لا يتغير بتغير الأهواء.
حين تكون المرأة بنتاً فإنها في الإسلام نعمة وبركة، وقد جاء التكريم واضحاً حين جعل حسن تربيتها طريقاً إلى الجنة. فهي ليست عبئاً على الأسرة كما كانت تنظر بعض المجتمعات القديمة، بل هي أمانة ومسؤولية، ورمز للرحمة والبركة داخل البيت. وعندما تكون أختاً فهي السند والحنان، تزرع في البيت روح الألفة وتشارك إخوتها تفاصيل الحياة بحب ومودة.
أما حين تصبح زوجة فإنها تتحول إلى شريكة حياة كاملة، تقوم العلاقة بينها وبين زوجها على المودة والرحمة والتكامل. فالزواج في المفهوم الإسلامي ليس عقداً مادياً بقدر ما هو رابطة إنسانية عميقة تقوم على السكينة النفسية والتعاون في مواجهة أعباء الحياة. ومن هنا جاءت العلاقة بين الزوجين علاقة توازن لا صراع، وتكامل لا تنافس.
وعندما تصبح المرأة أماً فإنها ترتقي إلى أعلى مراتب التكريم. فالأم هي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها وعي الإنسان وأخلاقه وقيمه. وفي حضنها يتعلم الطفل معنى الرحمة، ومن عينيها يقرأ معنى الحب، ومن صبرها يكتسب القدرة على مواجهة الحياة. ولذلك قيل إن الأمهات يصنعن الأمم، لأن بناء الإنسان يبدأ من البيت قبل المدرسة والجامعة.
المرأة السودانية عرفت هذا الدور جيداً عبر تاريخ طويل من التجارب الاجتماعية والإنسانية. ففي البيوت السودانية القديمة كانت المرأة هي العمود الذي يستند إليه البيت. تدير شؤون الأسرة، وترعى الأطفال، وتساند الزوج، وتشارك في الاقتصاد المنزلي، وتزرع في الأبناء قيم الاحترام والكرامة والشهامة التي عرف بها المجتمع السوداني.
ولم يكن دور المرأة السودانية محصوراً داخل جدران المنزل، بل امتد إلى المجتمع في مختلف المجالات. فقد أثبتت حضورها في الطب، حيث برزت طبيبات قدمن خدمات جليلة في المستشفيات والعيادات، وساهمن في إنقاذ الأرواح وتخفيف آلام المرضى. وفي مجال القانون ظهرت قاضيات ومحاميات يحملن ميزان العدالة ويدافعن عن الحقوق ويعملن على ترسيخ قيم الإنصاف في المجتمع.
وفي عالم المال والأعمال أصبحت المرأة المصرفية رقماً مهماً في المؤسسات المالية والبنوك، تدير العمليات الاقتصادية وتشارك في تنظيم الحركة المالية، وتسهم في دعم الاقتصاد الوطني بخبرتها وكفاءتها. كما دخلت المرأة مجال الشرطة والأمن، حيث تعمل في حماية المجتمع وخدمة المواطنين، مؤكدة أن العطاء لا يقتصر على الرجال وحدهم.
أما في ميدان التعليم فإن المرأة السودانية كانت ولا تزال ركيزة أساسية في بناء الأجيال. فالمعلمة ليست مجرد ناقلة للمعرفة، بل هي مربّية تغرس في الطلاب القيم والأخلاق والانضباط. ومن بين جدران المدارس خرجت أجيال كثيرة حملت مشاعل العلم والمعرفة، وكان للمعلمات دور كبير في تشكيل وعيها الفكري والأخلاقي.
وفي مجالات الإدارة والقيادة المجتمعية برزت نساء سودانيات استطعن أن يثبتن كفاءتهن في إدارة المؤسسات والمنظمات والمبادرات الاجتماعية. فقد شاركن في العمل الطوعي والخيري، وأسسن مبادرات لدعم الفقراء ورعاية المرضى وتعليم الأطفال، وأثبتن أن العمل الإنساني لا يحتاج إلى سلطة بقدر ما يحتاج إلى قلب حي وإرادة صادقة.
ومن يتأمل المجتمع السوداني يجد أن المرأة كانت دائماً حاضرة في لحظات الشدة قبل الرخاء. ففي أوقات الأزمات الاقتصادية أو النزاعات أو الكوارث، تظهر المرأة كقوة صامتة تحافظ على تماسك الأسرة. فهي التي تدير البيت في أصعب الظروف، وتتحمل أعباء الحياة دون ضجيج، وتبقي جذوة الأمل مشتعلة في نفوس الأبناء.
ولا يمكن الحديث عن دور المرأة دون التوقف عند جانبها العاطفي والإنساني. فالمرأة بطبيعتها تمثل مصدر الحنان والدفء داخل الأسرة. ومن قلبها تنبع مشاعر الحب والمودة التي تمنح البيت روحه الحقيقية. فالرجل قد يبني الجدران ويؤمن متطلبات الحياة المادية، لكن المرأة هي التي تملأ البيت روحاً وسكينة.
الحب الذي تمنحه المرأة ليس مجرد عاطفة عابرة، بل قوة نفسية عميقة تمنح الأسرة الاستقرار. فهي التي تهدئ القلوب عندما تعصف بها الخلافات، وتعيد التوازن للعلاقات حين تتوتر، وتمنح أفراد الأسرة شعوراً دائماً بالأمان والانتماء.
والمرأة السودانية تميزت دائماً بهذه القدرة الفطرية على احتواء الآخرين. فهي الأم الحانية، والزوجة الصابرة، والأخت القريبة من القلب، والابنة التي تملأ البيت فرحاً. وفي كل هذه الأدوار تبقى قيم الرحمة والمودة هي الأساس الذي تقوم عليه علاقاتها بالآخرين.
وفي المجتمع الحديث، حيث تسارعت وتيرة الحياة وتعقدت المسؤوليات، أصبح دور المرأة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فهي اليوم تجمع بين مسؤوليات العمل خارج المنزل ومسؤوليات الأسرة داخله. وهذا التوازن يحتاج إلى وعي وتقدير من المجتمع حتى تستمر المرأة في أداء رسالتها دون أن تتحمل ما يفوق طاقتها.
ومن الإنصاف القول إن كثيراً من الإنجازات التي حققها المجتمع السوداني كانت المرأة شريكاً فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فهي التي تربي الأجيال التي تصبح فيما بعد أطباء ومهندسين وقادة ومفكرين. وهي التي تمنح الرجل الدعم النفسي والمعنوي ليواصل طريقه في العمل والإبداع.
ومن هنا جاء القول الشهير: وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة. هذا القول ليس مبالغة أدبية كما يظن البعض، بل هو وصف لحقيقة اجتماعية عميقة. فالرجل مهما بلغ من القوة والنجاح يحتاج إلى من يمنحه الثقة والدعم ويقف بجانبه في لحظات الضعف قبل القوة.
المرأة العظيمة لا تصنع الرجل بدلاً عنه، لكنها تخلق البيئة النفسية التي تساعده على النجاح. فهي التي تشجعه عندما يتردد، وتسانده عندما يتعثر، وتشاركه الحلم حتى يتحقق. ولذلك فإن كثيراً من الرجال الذين تركوا بصمات في التاريخ كانت خلفهم نساء قدمن لهم الدعم والتضحية بصمت.
وفي النهاية تبقى المرأة السودانية نموذجاً حياً للعطاء المتوازن بين الدين والعمل والأسرة والمجتمع. فهي تحمل في قلبها قيم الإسلام، وفي عقلها طموح العلم والعمل، وفي سلوكها روح التضامن والتكافل التي تميز المجتمع السوداني.
إن تكريم المرأة لا يكون بالشعارات فقط، بل بالاعتراف بدورها الحقيقي واحترام رسالتها في بناء الإنسان وصناعة المستقبل. فالمرأة ليست نصف المجتمع كما يقال فحسب، بل هي التي تربي النصف الآخر أيضاً، وبذلك تصبح في الحقيقة أساس المجتمع كله.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة



