
📍في بلد تتسارع فيه التحولات الاقتصادية بلا كوابح واضحة، تبدو المفارقات أكثر حضورًا من أي تفسير منطقي.
📍قصة بسيطة رواها أحد الأصدقاء تختصر المشهد كاملاً؛ إذ تم قبوله في جامعة النيلين عام 2003 قبولًا حكوميًا، وكانت رسوم دراسته خلال أربع سنوات لا تتجاوز 185 جنيهًا. اليوم، هذا المبلغ ذاته لم يعد كافيًا لشراء رغيفة خبز واحدة، بعدما قفز سعرها في مطلع العام 2026 إلى نحو 200 جنيه، في مشهد يعكس حجم التدهور في القوة الشرائية.
📍هذه المفارقة ليست مجرد مقارنة رقمية، بل هي مؤشر عميق على اختلال بنيوي في الاقتصاد السوداني، حيث تتصاعد الأسعار بوتيرة يمكن وصفها بـ”الفرط صوتية”، دون أن تواكبها سياسات ضبط فعالة أو رقابة صارمة على الأسواق. فكل يوم يحمل معه زيادات جديدة في السلع والخدمات الأساسية، تلك التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر، بينما يقف المستهلك عاجزًا أمام موجة غلاء لا ترحم.
📍اللافت أن جزءًا من هذا الارتفاع المستمر يُعزى إلى عوامل خارجية، أبرزها التوترات المرتبطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز، والتي تُستخدم كذريعة جاهزة لرفع أسعار المحروقات. لكن ما يحدث فعليًا يتجاوز ذلك بكثير، إذ تتحول أي زيادة في الوقود إلى موجة تضخم شاملة تضرب كل القطاعات، من المواصلات إلى الغذاء والدواء، وأحيانًا بنسب مضاعفة تصل إلى 100% في بعض السلع.
📍 السوق الموازي، الذي أصبح لاعبًا رئيسيًا في تحديد الأسعار، تترسخ قاعدة غير معلنة: كل زيادة في تكلفة الوقود تُحمَّل مباشرة على كاهل المواطن، دون أي اعتبار للقدرة الشرائية أو الظروف المعيشية.
يجد المواطن نفسه في مواجهة سلسلة متصلة من الزيادات، تبدأ من محطة الوقود ولا تنتهي عند مائدة الطعام التي أصبحت مائدة من دون طعام.
📍الأكثر إيلامًا أن هذه الأوضاع تأتي في وقت يحاول فيه آلاف السودانيين التعافي من آثار النزوح والحرب، بعد سنوات من الجوع والتشرد وفقدان مصادر الدخل. هؤلاء يواجهون اليوم واقعًا اقتصاديًا قاسيًا، تتآكل فيه قدرتهم على تلبية أبسط احتياجاتهم، في ظل غياب مظلة حماية اجتماعية فعالة.
📍السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إلى متى يستمر هذا التسارع غير المنضبط؟ وإلى متى يظل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية مختلة؟
إن استمرار هذه الفوضى السعرية دون تدخل حاسم يهدد بمزيد من التدهور في مستويات المعيشة، ويضع الاقتصاد أمام تحديات أكبر. فالسوق الذي لا تحكمه ضوابط، ولا تُراقَب فيه الأسعار، يتحول إلى بيئة خصبة للفوضى والاستغلال من سماسره وتجار أزمات حينها يصبح الوصول إلى السلع الأساسية حلمًا صعب المنال.
📍ما يحتاجه السودان اليوم ليس فقط تفسير ما يحدث، بل إرادة حقيقية لضبط الأسواق، ووضع سياسات اقتصادية عادلة، تعيد التوازن بين تكلفة المعيشة ودخل المواطن، قبل أن يصبح الغلاء نفسه واقعًا لا يمكن احتماله.
♦️معا نحو تعافي الوطن



