
السودان إلى أين؟ سؤال صار يفرض نفسه كل صباح مع تسارع انحدار الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، وارتفاع الأسعار بوتيرة أفقدت المواطن توازنه. لم تعد الأزمة الاقتصادية حبيسة تقارير البنوك ونشرات الصرف، بل تجسدت في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة اليومية، من سعر الرغيف إلى كلفة الدواء، ومن أجرة المواصلات إلى فاتورة الكهرباء، حتى غدا الصبر ذاته سلعة نادرة.
ما نشهده اليوم يتجاوز حدود التضخم التقليدي. الجنيه فقد وظيفته الأساسية كمخزن للقيمة، فتحول الراتب الذي كان يكفي لشهر كامل إلى مبلغ لا يصمد أسبوعاً واحداً. وكل يوم يحمل تسعيرة جديدة، لا لأن السلع تغيرت، بل لأن الثقة في العملة تآكلت. المواطن لم يعد يبحث عن رفاهية أو تحسين مستوى معيشة، بل عن الحد الأدنى من البقاء.
جذر المعضلة واضح في معادلة اقتصادية مختلة. المعروض من النقد الأجنبي يتراجع باستمرار، بينما يرتفع الطلب عليه للمضاربة ولتغطية الاستيراد. وفي المقابل تتقلص الإنتاجية المحلية، وتضيق فرص العمل، وتتسع الفجوة التي تملأها السوق الموازية بأسعارها القاسية. وهكذا يدور الجنيه في حلقة مفرغة، يدفع ثمنها المواطن وحده.
النتيجة الحتمية لمسار كهذا هي تآكل الطبقة الوسطى التي كانت عمود المجتمع، واتساع رقعة الفقر، وتراجع الثقة في العملة الوطنية كوسيط للتبادل. الأسرة التي كانت تخط لشهرها أصبحت تحسب يومها، والتاجر الذي كان يفكر في هامش الربح بات يخشى أن يبتلعه تقلب السعر قبل نهاية النهار.
السؤال الحاسم الآن ليس اقتصادياً فحسب، بل سياسي وأخلاقي: هل تملك الدولة الأدوات والقرارات الكافية لإيقاف هذا النزيف قبل أن نصل نقطة اللاعودة؟ المعركة لم تعد معركة أرقام على شاشات التداول، بل معركة بقاء حقيقية. ومعركة البقاء لا تُكسب بالانتظار ولا بالحلول المؤقتة، بل بقرارات حاسمة تعيد للجنيه اعتباره، وتحمي لقمة عيش المواطن قبل أن تتحول إلى حلم بعيد المنال.




