مقالات

هيثم الصاوي… يكتب :الرشوة بين الرقابة الذاتية وكاميرات المراقبة

♦️لم تكن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد مجرد أرقام تتصاعد في تقارير رسمية، بل تحولت إلى واقع قاسٍ يعيشه المواطن السوداني بكل تفاصيله اليومية. جوعٌ ينهش الجسد، ومعاناة تمتد من فقدان الغذاء إلى مرارات النزوح والتشريد، في ظل ظروف إنسانية بالغة التعقيد. ورغم ذلك، ظل المواطن صابرًا، متشبثًا بالأمل حتى لحظة عودة الاستقرار وبسط الأمن.

♦️مع عودة كثيرين إلى ديارهم بعد انحسار رقعة الخوف، كانت التطلعات كبيرة بأن تبدأ مرحلة جديدة عنوانها الأمان والعدالة. غير أن صدمة الواقع جاءت مختلفة؛ إذ برزت مظاهر سلبية تهدد ما تبقى من هذا الأمل، وعلى رأسها تفشي الرشوة في بعض مواقع المسؤولية، خاصة في نقاط التفتيش على الطرق.

♦️المشهد على الطرقات يثير القلق؛ مركبات تُوقف بلا مبرر واضح، وإجراءات تُعطل رغم اكتمال المستندات، وسائقون يجدون أنفسهم مجبرين على “تمرير” مبالغ مالية خفية وسط أوراقهم لتسيير أعمالهم. هكذا تتحول الوظيفة العامة من أمانة إلى وسيلة للكسب غير المشروع، ويصبح الطريق عبئًا إضافيًا على كاهل المواطن بدلاً من أن يكون وسيلة لخدمته.

♦️إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط أثرها الاقتصادي، بل ما تعكسه من تآكل في منظومة القيم. فالحرب، على قسوتها، كان من المفترض أن تكون درسًا يعيد ترتيب الأولويات ويعزز معاني التكافل والنزاهة، لكن يبدو أن هذا الدرس لم يصل إلى الجميع، أو لم يجد من يصغي إليه بوعي ومسؤولية.

♦️في المقابل، يبرز الحل التقني كأحد الأدوات الممكنة للحد من هذه التجاوزات. فقد شهد العالم تطورًا كبيرًا في أنظمة الرقابة الإلكترونية، وأصبحت كاميرات المراقبة وسيلة فعالة لضبط الأداء ومحاسبة المخالفين. إن نشر هذه التقنيات في نقاط الارتكاز الرئيسية يمكن أن يحد من التلاعب، ويوفر سجلًا مرئيًا لكل التعاملات، مما يعزز الشفافية ويضع حدًا للاستغلال.

♦️غير أن الاعتماد على الكاميرات وحدها لا يكفي. فالمشكلة في جوهرها أخلاقية قبل أن تكون إجرائية. الرقابة الذاتية تظل الأساس؛ ذلك الضمير الحي الذي يمنع الإنسان من استغلال سلطته حتى في غياب الرقيب. فبدون هذا الوازع الداخلي، ستظل أي وسيلة رقابية عرضة للتحايل أو التجاوز.

♦️ تعدد نقاط التفتيش بشكل مبالغ فيه يطرح تساؤلات مشروعة حول جدواها. فليس من المنطقي أن يتحول الطريق إلى سلسلة من الحواجز التي تستنزف وقت المواطن وموارده، تحت مسميات مختلفة تتداخل فيها الجهات الحكومية بين ضرائب ورسوم ومحليات وغيرها. إعادة تنظيم هذه النقاط وتقليلها إلى الحد الضروري بات أمرًا ملحًا، يوازي في أهميته تعزيز الرقابة.

♦️في نهاية المطاف، تبقى معركة النزاهة مسؤولية مشتركة؛ تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند المؤسسة. فإما أن ينتصر الضمير، وتتكامل معه أدوات الرقابة الحديثة، أو تستمر المعاناة في صورة جديدة، عنوانها الفساد في زمن التعافي.

♦️ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نحتاج إلى كاميرات تراقبنا، أم إلى ضمائر توقظنا؟

📍معا نحو تعافي الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى