
في علم الاقتصاد تسمى المعادلة التي واجهتها ولاية الجزيرة معادلة المستحيل. حين تنهار الإيرادات المركزية وتتوقف عجلة الإنتاج وتتضاعف الفاتورة الإنسانية والأمنية تصبح الموازنة العامة ورقة في مهب الريح. لكن وزارة مالية الجزيرة رفضت منطق الاستسلام للأرقام. لم تقرأ الواقع كما هو بل قرأته كما يجب أن يكون. وبدلاً من أن تدير العجز أدارت الأمل. وبدلاً من أن تحصي الخسائر صنعت الفرص من قلب الخسارة.
هذه ليست قصة صرف وإيراد. هذه قصة عقل اقتصادي فهم أن إدارة المال في زمن الحرب هي إدارة وجود. وأن الخزينة الفارغة لا تعني دولة مفلسة بل تعني أن على العقول أن تعمل ضعف ما تعمل الخزائن. لقد أدارت الوزارة اقتصاد طوارئ بمنطق اقتصاد التنمية فكسبت الرهان مرتين: أنقذت اليوم وأسست للغد.
في الظروف العادية تعتمد الولايات على التحويلات الاتحادية والجبايات التقليدية. لكن الحرب كسرت هذا النموذج. توقفت التحويلات وشُلت الأسواق وتجمد النشاط. هنا كان الخيار السهل هو الانكماش والانتظار. لكن مالية الجزيرة اختارت الخيار الأصعب: أن تخلق الإيراد لا أن تجمعه فقط. تحركت في ثلاثة مسارات متوازية. المسار الأول هو تعظيم الموارد الذاتية الكامنة. لم ترفع الضرائب على كاهل منهك بل وسعت المظلة بضم أنشطة الاقتصاد غير المنظم إلى الدائرة الرسمية عبر حوافز وتسهيلات لا عبر القسر. منحت إعفاءات ذكية للتجار مقابل فتح محلاتهم فكسبت تشغيل السوق وتحصيلاً جزئياً خير من الشلل الكامل. المسار الثاني هو تفعيل الأصول الولائية المعطلة. استثمرت في تشغيل المشاريع الإنتاجية الصغيرة التابعة لها من مطاحن إلى مزارع لتحولها من عبء إلى مصدر دخل. المسار الثالث هو الشراكة. فتحت الباب للقطاع الخاص والخيرين والمنظمات ليساهموا في تمويل الخدمات مباشرة تحت إشرافها فحولت الدعم من عمل إغاثي مبعثر إلى تدخل تنموي منظم.
في زمن الحرب يصبح التقشف فضيلة. لكن مالية الجزيرة مارست التقشف الذكي. لم تضرب الإنفاق بعشوائية فتقتل ما تبقى من جسد الولاية. بل أعادت تعريف الأولويات ببوصلة وحيدة: ما الذي يبقي الناس أحياء ويبقي الدولة واقفة. أوقفت كل بنود الصرف الترفيهي والهامشي. علقت المشروعات الكمالية. خفضت الإنفاق الحكومي غير المنتج إلى حده الأدنى. وفي المقابل وجهت كل جنيه متاح إلى ثلاثة محاور: الأمن الغذائي والخدمات الصحية وإعادة تشغيل دورة الإنتاج. كان هذا هو الثالوث المقدس لموازنة الطوارئ. فالدقيق والدواء والوقود للمستشفيات والمشاريع الزراعية كانت بنوداً سيادية لا تُمس. النتيجة أن كل جنيه صُرف كان جنيهاً مقاتلاً. جنيه يمنع نزوحاً أو ينقذ مريضاً أو يشغل عاملاً. وبهذا المنطق تحول التقشف من سياسة انكماش إلى استراتيجية بقاء.
لغة الأرقام في تقارير الوزارة تقول إن أكثر من ستين بالمئة من الإنفاق الفعلي خلال ذروة الأزمة وُجه لبنود التنمية والإعمار والخدمات المباشرة مقابل أربعين بالمئة لبنود التسيير والأمن. هذه نسبة معكوسة في ظروف الحروب وتكشف عن انحياز واضح للمواطن. كما تشير البيانات إلى نمو الإيرادات الذاتية بنسبة خمسة وثلاثين بالمئة مقارنة بفترة ما قبل استقرار الأوضاع رغم تدمير جزء كبير من البنية الاقتصادية. كيف حدث ذلك؟ حدث لأن الناس يدفعون حين يرون أموالهم تعود إليهم ماءً وكهرباءً وأمناً. الأهم من ذلك هو الأثر المضاعف. الجنيه الذي صُرف لدعم تاجر في السوق عاد عشرة جنيهات في صورة حركة تجارية وتشغيل وإيراد جديد. والجنيه الذي مُول به الموسم الزراعي عاد قمحاً وذرة تطعم آلاف الأسر وتقلل فاتورة الإغاثة. لقد كسرت الوزارة الحلقة المفرغة التي تقول لا إيراد بلا أمن ولا أمن بلا إيراد وخلقت حلقة فضيلة جديدة: الصرف الذكي يولد الإيراد والإيراد يمول الصمود والصمود يجلب الاستقرار.
ما يميز تجربة مالية الجزيرة أنها لم تدِر الأزمة بعقلية رجل الإطفاء الذي ينتظر الحريق التالي. بل أدارتها بعقلية المهندس الذي يضع الأساسات أثناء العاصفة. بالتوازي مع تدخلات الطوارئ بدأت الوزارة في وضع لبنات التعافي الاقتصادي. أطلقت خطة لرقمنة التحصيل لزيادة الكفاءة ومحاربة الفساد. شرعت في إعداد دراسات لصندوق إعمار الجزيرة لجذب الاستثمار الوطني والأجنبي. وبدأت في حصر الأضرار لا للبكاء عليها بل لتحويلها إلى فرص إعادة بناء أفضل.
إن الدرس الأكبر الذي تقدمه هذه التجربة هو أن الإرادة الإدارية تستطيع أن تهزم شح الموارد. وأن الخزينة ليست مخزناً للمال بل هي عقل يدبر وقلب ينبض وبوصلة تحدد الاتجاه. وزارة مالية الجزيرة لم تكن تدير أرقاماً كانت تدير مصائر. وحين وضعت الإنسان في قلب المعادلة استقامت كل الأرقام الأخرى.
اقتصاد الحرب علمنا أن الدول لا تموت حين تفرغ خزائنها بل تموت حين تفرغ عقولها من الحلول وضمائرها من الرحمة. وفي الجزيرة كان العقل حاضراً وكان الضمير حاكماً. ولهذا انتصرت معادلة الحياة على معادلة الموت.




