
ليست كل الانشقاقات سواء. هناك انشقاق جندي يهرب ببندقيته، وهناك انشقاق قائد يهرب بالرواية كلها. ما فعله اللواء النور أحمد آدم “القبة” اليوم هو من النوع الثاني. الرجل لم يغادر الدعم السريع وحده، بل أخذ معه ثلاثة أشياء تقتل أي مليشيا: السر، والشرعية، والمعنويات.
القبة لم يكن هامشياً حتى يُقال إن خروجه “بلا أثر”. هو يعرف نفسه بالرجل الثالث في التنظيم، والثالث في أي هرم عسكري ليس رقماً، بل مستودع أسرار. وحين يتكلم الثالث، فهو لا يثرثر، بل يفكك البناء من الداخل. وتصريحاته اليوم كانت تفكيكاً ممنهجاً لأربع ركائز ظلت الدعم السريع تبني عليها خطابها منذ اندلاع الحرب.
الركيزة الأولى هي مصير حميدتي. الرواية التي ضُخت لشهور دارت بين “مختفٍ” و”مصاب” و”ميت سياسياً”. القبة أعاد الرجل إلى الحياة، لكنه أعاده بطريقة أخطر من الموت. حميدتي حي، لكنه يدير الحرب من الإمارات وكينيا “عن بُعد”. هذه العبارة وحدها كافية لنسف صورة “القائد الميداني” التي صُرفت عليها ملايين في الإعلام. القائد الذي لا يموت في الخندق، بل يُجري مكالمات الزوم من فندق، لا يلهم مقاتلاً ليحفر خندقاً جديداً. القبة هنا لم يؤكد حياة حميدتي، بل أعلن موت أسطورته.
الركيزة الثانية هي وحدة القيادة. حديث القبة عن “التهميش في القرارات المصيرية” مع قيادات أخرى، وعن أن عبد الرحيم دقلو هو من يتحرك ميدانياً، يرسم صورة مليشيا برأسين: رأس سياسي في الخارج، وجسد عسكري في الداخل بلا تنسيق حقيقي. وهذا هو تعريف التفكك. المليشيا التي لا تملك “إدارة مركزية وقواعد ثابتة” حسب وصف الرجل الثالث فيها، تتحول من قوة إلى تجمعات مسلحة. والفارق بين الاثنين هو الفارق بين الجيش والعصابة.
الركيزة الثالثة هي الأرض. وصف الفاشر بأنها “منهارة تماماً وخالية من سكانها” يقتل الدعاية التي حاولت تصوير نيالا والجنينة كعواصم بديلة. القبة يقول إن ما يُعرض إعلامياً لا يعكس الواقع. وهذه شهادة من داخل المطبخ. المليشيا التي تخسر الناس، تخسر الحرب ولو كسبت المباني. فالمدن ليست حجارة، بل سكان. والفاشر بلا سكانها ليست نصراً، بل مقبرة مفتوحة تستهلك من يمسكها.
الركيزة الرابعة هي الروح القتالية. أخطر ما قاله القبة ليس عن حميدتي، بل عن المقاتلين. “تراجع في الروح القتالية” و”مجموعات كبيرة تنتظر الفرصة للانضمام للجيش”. هذه الجملة وحدها تساوي كتيبة. الحروب لا تُحسم بالذخيرة وحدها، بل بالإيمان. وحين يفقد المقاتل إيمانه بقائده الغائب، وبقضيته، وبنهاية طريقته، يتحول إلى مشروع انشقاق يمشي على قدمين. والقبة يقدم نفسه كأول العائدين، لا كآخر الهاربين.
توقيت الانشقاق محسوب أيضاً. يأتي بعد عامين من الحرب، بعد أن استنزفت المليشيا رصيدها السياسي والعسكري، وبعد أن تحولت “حكومة التأسيس” التي تحدث عنها إلى زيارة خاطفة لنيالا بلا أثر. يأتي والقوات المسلحة تتقدم في محاور الوسط، وتستعيد زمام المبادرة. الانشقاقات في بداية الحرب خيانة، وفي نهايتها قراءة للمستقبل. والقبة قرأ أن السفينة تغرق، فقفز منها ومعه ثلاث مجموعات قتالية بكامل تجهيزاتها. هذه ليست قفزة نجاة فردية، بل هجرة جماعية.
حديثه عن أنه يتبع للجيش “منذ فترة” وأن انضمامه للدعم السريع في 2019 كان “تنفيذاً لتوجيهات” يفتح باباً أخطر: باب الاختراق القديم. هل كان الرجل داخل الدعم السريع بعين الجيش؟ إن صح ذلك، فالمليشيا لم تكن تُدار من الداخل فقط، بل كانت مخترقة من اليوم الأول. وهذا يفسر كثيراً من الارتباك والتسريبات والهزائم غير المفهومة.
الرسالة الأهم في مؤتمر القبة ليست للرأي العام، بل لمن تبقى داخل الدعم السريع. الرسالة تقول: الباب مفتوح، والتهميش حقيقي، والقائد بعيد، والمدينة منهارة، والقيادة مرتبكة. ومن ينتظر “الفرصة للانضمام للجيش” صار لديه دليل حي يمشي على قدمين اسمه النور القبة.
الدعم السريع خسرت معركة السلاح في أكثر من محور. اليوم، بدأت تخسر معركة الرواية. والرواية حين تسقط، لا تحتاج إلى دانة. يكفيها تصريح من الرجل الثالث ليقول إن الملك عارٍ، وإنه يدير مملكته من المنفى، عبر الهاتف.




