الاقتصادية

مالية الجزيرة 2026.. موازنة بحجم الأمل وتحديات بحجم الواقع

تقرير : ام امين

بين طموح المشروعات ومرارة الواقع، تقف موازنة ولاية الجزيرة للعام 2026 على حافة التحدي. الوزير عاطف إبراهيم أبوشوك وضع الرقم كبيراً: 670 مليار جنيه. ورسم الهدف عريضاً: خدمات وطرق وتنمية ورفاهية لولاية بدأت تتعافى وتستقبل أهلها. لكنه في اللقاء الصحفي نفسه، وضع يده على الجرح حين قال إن التحدي الأكبر هو تحصيل هذه الموارد، لا كتابتها على الورق.

الولاية تخرج من عام استثنائي. عام 2025 نُفذت فيه 90% من المشروعات رغم ظروف الطوارئ، وتركز الجهد على الأساسيات: مياه، كهرباء، صحة، تعليم. اليوم، مع استقرار معظم المحليات، ارتفع سقف التوقعات. المواطن العائد لا يريد فقط أمناً، يريد شارعاً مسفلتاً، ومستشفى يعمل، ومدرسة تستقبل أطفاله بلا نقص في الإجلاس أو الكتاب.

موازنة العام الجديد تبدو في ظاهرها متوازنة. الحكومة الاتحادية تتحمل 38% منها، وتترك للولاية عبء 62% من مواردها الذاتية. هنا يبدأ الاختبار الحقيقي. فالموارد الذاتية ليست خزينة مغلقة، بل جهد تحصيل يومي من محليات منهكة، ووزارات تعاني شح الكادر، وأسواق تغيرت ملامحها بعد الحرب. والوزارة تعترف أن الالتزام بوقف التحصيل في المعابر والأسواق، وتخفيض الرسوم بالتنسيق مع الغرف التجارية، ضاعف من صعوبة المهمة. فكيف توازن بين تشجيع انسياب السلع وبين ملء الخزينة؟

لذلك جاء القرار رقم 10 لسنة 2026 ليقلب المعادلة. المحليات تتولى مشروعات الحكم المحلي من إيراداتها، وتتمتع بكامل مواردها، وتترك للوزارة هم المشروعات الكبرى. خطوة نحو اللامركزية المالية، لكنها تضع المحليات أمام امتحان القدرة. فهل تملك الكادر المؤهل لتحصيل مواردها وإدارة مشروعاتها، أم أنها سترث العجز بدلاً من الصلاحية؟

في ملف الطرق، تتحرك الولاية على مسارين. الأول استكمال ما توقف بسبب الحرب، وأبرزها طريق المحطة وبعض الطرق الترابية التي تربط القرى ببعضها. والثاني بدء عقود جديدة لطرق داخلية وريفية تربط مناطق الإنتاج بالاستهلاك. فالطريق هنا ليس أسفلتاً، بل شريان حياة للمحصول. وإلى جانب الطرق، تنتظر الولاية وصول شحنة العربات الضاغطة المتعاقد عليها مع شركة دال، بعد أن تضاعفت أسعارها. خطوة ضرورية لنظافة المدن، لكنها تكشف كيف تلتهم تقلبات الأسعار بنود الموازنة.

الرهان الاقتصادي الأكبر يبقى على الميزة النسبية للجزيرة. الزراعة والصناعات التحويلية. من هنا جاء الحديث عن مركز الصادرات البستانية في قنب الحلاوين، وعن المنطقة الحرة شمال أبي حراز التي نالت التصديق الاتحادي. وعن مستودعات شركات البترول التي ستحل أزمة السعات التخزينية. وعن أسواق متخصصة للمحاصيل والحيوان، ومسالخ حديثة للصادر. هذه مشروعات لا تبني رصيفاً، بل تبني مورداً مستداماً إن اكتملت.

مالياً، تستعيد الولاية نظام الخزينة الواحدة مع بداية العام، وتمضي في تعميم التحصيل الإلكتروني عبر نظام “إيصالي”. الخطوة قطعت شوطاً في مدني والمناقل والحصاحيصا، وتنتظر وصول الأجهزة الطرفية لبقية المحليات. وقف التعامل النقدي في الخدمات الحكومية قرار جريء، لكنه يحتاج بنية تحتية لا تخذله. فالإيصال الإلكتروني لا قيمة له إن تعطلت الشبكة أو غاب الجهاز.

ملف الكادر البشري يطل برأسه كأزمة صامتة. الولاية تتحدث عن نقص 19 ألف وظيفة في التعليم، و600 وظيفة فنية وهندسية في الصحة. وقد بدأت التعيين من مواردها الذاتية لـ320 كادراً صحياً و354 محاسباً، وشرعت في تعيين ألف معلم من المتعاونين. كما رفعت طلباً اتحادياً لخمسة آلاف وظيفة معلم تتحمل الخرطوم مرتباتهم لعامين. الأرقام كبيرة، والحاجة أكبر، خاصة بعد أن فقدت الولاية أسطولاً كاملاً من 310 عربات وآليات خلال الحرب، ولم تستعد منه إلا 15 عربة من صفقة مع السهم الذهبي لتوريد 50 عربة.

الكهرباء جرح آخر. النهب والتخريب التهم المحولات. الولاية اشترت 100 محول من مواردها لتشغيل المرافق الحيوية من مستشفيات ومحاكم ومراكز شرطة. لكن العجز المتبقي يصل إلى ألف محول. وهنا تبرز النداءات لوزارة الطاقة الاتحادية لتتحمل مسؤوليتها، فلا تنمية بلا كهرباء، ولا كهرباء بلا محولات.

أما قسمة الموارد مع المركز، فهي صداع قديم. معايير الدعم لم تتغير منذ يناير 2023، رغم تضاعف المرتبات والكلف. النتيجة أن الدعم الاتحادي يغطي 50% فقط من المرتبات، وتتحمل الولاية الباقي. ضغط هائل على خزينة تعاني أصلاً لتوفير 62% من موازنتها.

في مواجهة هذه التحديات، تلجأ الوزارة إلى الشراكات. بنك السودان، المصارف التجارية، جامعة الجزيرة، مشروع الجزيرة. محافظ تمويلية مع بنك أم درمان الوطني وبنك العمال لتسيير السلع والأنشطة المدرة للدخل. ومحفظة مع مصرف الادخار للبنى التحتية في الصحة والتعليم. ومحفظة أخرى مع مصرف المزارع لمدخلات الإنتاج ومنظومات الطاقة الشمسية للقطاع الزراعي والبساتين. شراكات ضرورية، لكنها تظل رهناً بالسداد والالتزام.

وتظل هناك ملفات عالقة. أزمة الوقود التي يردها الوزير إلى تأخر التسعير وتقلبات التأمين البحري. ومتأخرات المعاشيين التي سُددت منها فوائد ما بعد الخدمة، وجُدولت ديون 2024، بينما تنتظر مرتبات 2025. ومرتبات العاملين التي لم تصلها زيادة رسمية، وإن حدثت فستكون في علاوة المفارقات لا المرتب الأساسي.

الوزير أبوشوك قدم صورة ولاية تعمل في كل الاتجاهات. تبني، وتُحصّل، وتُعين، وتُمول، وتُخطط. لكنه قدم أيضاً صورة ولاية تقاتل على جبهات مفتوحة: جبهة الموارد، وجبهة الكادر، وجبهة الكهرباء، وجبهة الالتزامات. موازنة 670 مليار جنيه ليست رقماً في دفتر، بل وعد للناس. والوعد لا يتحقق بالطموح وحده، بل بتحصيل يسبق الصرف، وبكهرباء تسبق المصنع، وبمعلم يسبق الفصل.

الجزيرة اليوم تستعيد عافيتها، لكن العافية تحتاج غذاء. وغذاء التنمية هو المال. فإن نجحت الوزارة في فك شفرة التحصيل، وإن التزم المركز بنصيبه كاملاً، وإن صمدت المشروعات أمام تقلبات الأسعار، فإن 2026 قد يكون عام التعافي الحقيقي. وإن تعثرت خطوة واحدة، فإن الطموح يتحول إلى أرقام مؤجلة، والمواطن يعود ليسأل: أين ذهبت الـ670 مليار؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى