الاقتصادية

فاطمة حافظ تكتب : قرار حظر 46 سلعة.. بين مطرقة الدولار وسندان السوق

تغريدة رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس لم تكن مجرد إعلان إداري. كانت رسالة مشفرة إلى ثلاث جهات: إلى سوق العملة الذي يئن، إلى المواطن الذي يترقب، وإلى المصنع المحلي الذي ينتظر قبلة حياة. حظر استيراد 46 سلعة “غير أساسية” هو قرار اقتصادي بامتياز، لكنه سياسي في توقيته، واجتماعي في مآلاته.

الهدف المباشر كما قال رئيس الوزراء هو مواجهة الضغوط على سعر الصرف. والمنطق هنا سليم من زاوية الحساب. كل دولار لا يخرج لاستيراد سيارة فارهة، أو عطر باريسي، أو شوكولاتة سويسرية، هو دولار يبقى في الخزينة، ويخفف الضغط على الجنيه. في بلدٍ نزفت احتياطياته، وتآكلت عملته، يصبح وقف نزيف الكماليات خياراً لا ترفاً.

لكن السؤال الذي يقفز إلى الواجهة هو تعريف “غير أساسي”. فالتجربة القريبة مع وزارة التجارة علمتنا أن القوائم المطاطية قد تبتلع الأسمنت والأرز والفول، وتُلبسها ثوب الكماليات. فإن كانت قائمة الـ46 سلعة قد تجنبت مأزق الخلط بين الضروري والترفي، فهذا انتصار للعقل. وإن تسللت إليها سلعة تمس معيشة الناس، فإننا أمام أزمة جديدة باسم الإصلاح.

رئيس الوزراء ربط القرار بتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات. وهنا بيت القصيد. الحظر وحده ليس سياسة. الحظر أداة، فإن لم تتبعها أدوات أخرى صار عقوبة. البشير الصادق جموعة لخصها قبل أيام حين قال إن الاقتصاد لا يُبنى بالمنع، بل بالتحفيز.

السؤال الحقيقي هل المصنع السوداني جاهز ليملأ الفراغ. هل لدينا بديل محلي للـ46 سلعة يغطي الطلب جودة وسعراً. إن كان الجواب نعم، فالحظر حماية مشروعة. وإن كان الجواب ليس بعد، فإننا نخلق سوقاً سوداء، ونفتح باب التهريب، ونعيد دورة الغلاء التي خرجنا منها قبل أسابيع حين تراجعت الوزارة عن حظر الفول والأسمنت.

الاقتصاد لا يقبل الفراغ. ما تمنعه عبر الميناء، يدخل عبر الحدود. وما تمنعه بقرار، يوفره المهرب بسعر مضاعف. والدولة حينها تخسر مرتين. تخسر الجمارك، وتخسر السيطرة.

الرابح المحتمل من القرار هو المنتج المحلي، بشرط أن يكون موجوداً وقادراً. إذا كانت هناك مصانع شوكولاتة أو عطور أو أثاث سوداني تنتظر فقط إزاحة المستورد لتنطلق، فهذا يوم عيدها. القرار يمنحها مساحة للتنفس، وسوقاً محمياً تنمو فيه.

الخاسر المؤكد هو المستورد الصغير، وصاحب المحل الذي يعيش على هذه السلع. هؤلاء سيجدون أرففهم فارغة، وزبائنهم يسألون، والضرائب تلاحقهم. بعضهم سيغلق، وبعضهم سيتجه إلى التهريب، وبعضهم سيغير النشاط.

أما المواطن فهو الحكم. إن وجد البديل المحلي بجودة مقبولة وسعر معقول، سيصفق للقرار. وإن وجد السلعة اختفت، أو ظهرت بثلاثة أضعاف سعرها مهربة، سيحول التغريدة إلى نقمة. فالمواطن لا يأكل الشعارات، ولا يشرب الاستراتيجيات. يشتري من السوق.

التجربة السودانية مع قوائم الحظر مُرة. قرارات تُتخذ في الليل، وتُلغى في النهار. وقوائم تُسرب، فتربك السوق، وترفع الأسعار قبل أن يجف الحبر. لذلك، نجاح قرار كامل إدريس مرهون بالشفافية ونشر القائمة كاملة فوراً. لا مكان لقوائم مسربة تخلق المضاربة. المواطن والتاجر من حقهم يعرفوا ما الممنوع تحديداً.

كما أن التدرج مطلوب. التطبيق الفوري يصدم السوق. المهلة الزمنية تسمح بتخليص البضائع المشحونة، وتصريف المخزون، وتهيئة البديل. وفوق ذلك كله، الموازنة ضرورة. كل سلعة تُحظر، يجب أن تقابلها خطة لتحفيز إنتاجها محلياً. إعفاء مدخلات، كهرباء مستقرة، تمويل ميسر. وإلا فإننا نستبدل المستورد بالعدم.

حظر الكماليات في زمن الحرب وشح الدولار قرار مفهوم ومطلوب. لكنه سلاح ذو حدين. قد يحمي الجنيه اليوم، ويخنق السوق غداً إن لم يُدر بحكمة. كامل إدريس اختار أن يكون جراحاً، وهذا حقه. لكن الجراح الناجح هو من يعرف أين يضع المشرط، ومتى يتوقف، وكيف يخيط الجرح.

الدولار لن يستقر بالمنع وحده. يستقر حين يزيد الإنتاج، ويزيد التصدير، وتعود الثقة. حظر 46 سلعة خطوة على الطريق، لكنها ليست الطريق كله. الطريق كله يبدأ من المصنع، ويمر بالمزرعة، وينتهي بثقة المواطن أن البديل موجود، وأن غير الأساسي اليوم، لن يتحول إلى أساسي مفقود غداً.

فإن أحسنت الحكومة إدارة ما بعد الحظر، كتبت للقرار النجاح. وإن تركته معلقاً بلا خطة، كتبت له الفشل، وكتبت للسوق فصلاً جديداً من فصول الندرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى