
حين يتخذ قرار بمنع سلعة من دخول البلاد فهو لا يقرأ في دفاتر الجمارك فقط بل يقرأ مباشرة على موائد الناس وفوق رؤوسهم هذا الأسبوع اجتمعت المصيبتان في قرارين حظر استيراد الفول المصري وحظر استيراد الباروكات واحدة لقمة والثانية طلة واحدة تصنع الثورات والثانية تصنع السخرية لكن السوق السوداني تعامل معهما بمنطق واحد استبق القرار وارفع السعر واترك المواطن في حيرة
أولا الفول حين يتحول طبق الفقراء إلى فتيل ثورة
الفول ليس سلعة الفول هو بنكرياس الأمن الغذائي السوداني وجبة الغني قبل الفقير وعنصر الاستقرار السعري الذي إن اهتز اهتزت معه سلة الغذاء كلها ثم المواصلات ثم الدولار نفسه الدوافع المعلنة للحظر منطقية دعم المزارع المحلي تقليل استنزاف النقد الأجنبي لكن الواقع يقول إن الاستهلاك القومي يفوق الإنتاج المحلي بوضوح والفجوة لن تسد بالقرارات بل ستسد بالاحتكار ومع غياب الاستيراد الخطر الأكبر ليس احتكار خارجي بل احتكار داخلي أكثر قسوة تاجران أو ثلاثة يتحكمون في المخزون فيتحول السعر من البورصة إلى المخزن والدولة تخسر الجمارك وتكسب التهريب وتكسب أيضا غضبا جديدا لا يجمرك التاريخ يصرخ ديسمبر 2018 بدأت برغيف عيش المواطن صبر على الحرب والنزوح لكن الجوع لا مهرب منه عندما تصل الضغوط إلى لقمة الفطور يتغير شكل الصبر نفسه والسيادة الاقتصادية لا تعني إغلاق الأسواق بل تعني القدرة على إشباعها دون اضطراب
ثانيا الباروكة بورصة تشتعل بلا أسهم
في الجانب الآخر من السوق لم يجف حبر قرار حظر الباروكات بعد لكن بورصة الباروكة اشتعلت الأسعار تكتب بقلم الرصاص لأنها تتغير كل ساعة
تحولت محلات الكوافير إلى بورصات مصغرة والتاجرات رفعن شعار المرحلة الممنوع مرغوب والمرغوب مدفوع الزبونة تقف بين نارين تشتري الآن بضعف السعر أو تنتظر الحظر فلا تجد ولا شعرة
وتحولت جلسات القهوة إلى ندوات اقتصادية محورها هل نشتري الآن أم ننتظر التهريب الحكومة أرادت أن تحمي العملة الصعبة فصنعت عملة صعبة جديدة اسمها الشعر المستعار أرادت أن تضبط السوق فانفلت السوق قبل الضبط
ثالثا لماذا القراران معا لعبة إلهاء مقصودة
خروج قرار الفول مع قرار الباروكة في قرار واحد ليس صدفة هذه سياسة قديمة اسمها إغراق الرسالة الفول قضية حياة أو موت تلمس كل بيت لو صدر وحده الشارع كله يغلي الباروكة قضية تبدو فارغة لكنها تمس الكرامة والمزاج وتفتح باب النكتة فيحصل الانقسام ناس الغضب تتكلم عن الجوع وناس السوشيال ميديا تمسك في الصلعة والنكتة والترند والنتيجة الطاقة الغاضبة تتشتت بدل ما يكون في مليون صوت يقول الفول خط أحمر يصبح نص العدد يضحك على الباروكة الإعلام يساعد بدون قصد لأن خبر بورصة الباروكة يجيب مشاهدات أكثر من تحليل الأمن الغذائي فتتضخم التافهة وتتخفف الجادة وبعد أسبوع الناس تزهج وزول الفول يحس إنو قضيته اتسفهت وزول الباروكة ضحك وانتهى والحكومة تمرر القرار التقيل وسط الضجة هذا نفس تكتيك العباءة زمان تزيد سعر البنزين فتمنع لعبة أطفال فالناس تمسك في اللعبة وتنسى البنزين الخطير أن النجاح هنا يعتمد على طبيعتنا نحن شعب يحب التفاهة يتجنب الجدية حتى في عز الوجع فنميل للخبر الذي يهون علينا ونهرب من الخبر الذي يخنقنا
رابعا الدرس الواحد من السلعتين
الفول والباروكة يكشفان مرضا واحدا في جسد الاقتصاد السوداني كل شيء مرتبط بكل شيء وأي قرار من فوق يضرب تحت فورا وبلا رحمة السوق يستبق الدولة دائما العقوبة الاقتصادية تنفذ على المواطن قبل أن ينفذ القرار الحكومي الحظر يصنع احتكارا سواء في الغذاء أو الزينة إغلاق الاستيراد بدون بديل جاهز يساوي تسليم رقبة الناس لتاجر المواطن هو من يدفع الثمنين ثمن السيادة وثمن الجشع إن اشترى اليوم أفلس وإن لم يشتر جاع أو خرج بصلعة الإهمال الإداري فإذا كان هذا حال السوق مع الكمالية قبل المقص الحكومي فكيف سيكون حاله مع الأساسية بعد أن يهوي المقص فعلا الإجابة ستعرفها البيوت قريبا عندما يصير المشاط هو الموضة لا لأنه جميل بل لأنه مجاني وعندما يصير الفول وجبة أغنياء لا لأنه فاخر بل لأنه نادر وعندها قد تشكر الحكومة على قراراتها من حيث لا تحتسب لأنها أعادت للمرأة السودانية لتعلم حجمها ومكانتهاالطبيعية انها مادة للعنصرية والتمييز بالنسبة من قبل الساسة قبل سخرية المواطن وأعادت للمواطن السوداني ذاكرته السياسية الذاكرة التي تقول إن الثورات لا تبدأ من القصور بل تبدأ من صحن الفول




