
ليس الموسم الزراعي موعداً في التقويم، بل هو منظومة زمنية مقدسة تبدأ قبل البذرة بشهرين. من يزرع القمح في نوفمبر، عليه أن يطهر الترعة في أغسطس. هذه حكمة حفظها المزارع السوداني بالفطرة، لكنها سقطت من ذاكرة من أوكل إليهم الأمر، فسقط معها موسم كامل، وضاع قوت شعب.
ما حدث في ولايتي نهر النيل والشمالية ليس مجرد فشل موسم، بل هو جريمة زراعية مكتملة الأركان، بطلاها الإهمال والصمت، ومسرحها ترع مطمورة، وقنوات مهجورة، وطرمبات معطلة، وضحيتها مزارع بسيط كان يحلم بقمح يغطي خسائر الخريف.
كان العرف المستقر منذ عهد الإنجليز وحتى عهد قريب، أن يبدأ التحضير للموسم الشتوي مطلع أغسطس، أي قبل شهرين من الزراعة. في أغسطس يتم تطهير الترع الرئيسية والفرعية من الطمي والحشائش، وصيانة قنوات الري وأبواب التحكم، ومراجعة الطرمبات والوابورات وتوفير الوقود وقطع الغيار، وحصر المساحات وتوفير التقاوي المحسنة. هذا العام، مر أغسطس صامتاً كأنه لم يكن. ومر سبتمبر متثاقلاً. ودخل أكتوبر والمزارع في الدامر وبربر وعطبرة وكريمة ومروي ودلقو يسأل: أين الكراكات؟ أين آليات زادنا؟ أين المهندسون؟ الإجابة: لا شيء. الترع على حالها، مطمورة بالطمي، مغطاة بالحلفا والسعدة، والقنوات التي كانت تحمل الماء أصبحت تحمل اليأس. الطرمبات التي كانت تروي آلاف الأفدنة متوقفة لنقص الجازولين أو لعطل بسيط لم يجد من يصلحه.
وهنا يبدأ السؤال عن عسكوري. الرجل الذي أوكل إليه ملف الزراعة تعامل مع الموسم بعقلية الموظف الذي ينتظر الموسم ليبدأ ثم يفكر في التحضير له، وهو كمن يبحث عن الدواء بعد وفاة المريض. تجاهل القاعدة الذهبية: التحضير في أغسطس، لا في نوفمبر. جاء هذا الإهمال في توقيت قاتل. فشل موسم الخريف هذا العام، وانخفاض مناسيب النيل إلى مستويات غير مسبوقة، جعلا الري الانسيابي مستحيلاً. النيل الذي كان يفيض أصبح خجولاً، والجروف التي كانت تغمرها المياه انحسرت. في مثل هذه الظروف الكارثية، كان يفترض أن تكون الترع في أعلى جاهزية، والطرمبات في كامل طاقتها لتعويض نقص المنسوب بالسحب. لكن الذي حدث هو العكس: ترع مطمورة لا تستطيع حمل حتى القليل المتاح من الماء، وطرمبات معطلة، ووقود غير متوفر. فكانت النتيجة: أرض عطشى، ومزارع مكتوف اليدين، وموسم يضيع أمام العين. المزارع في الشمالية الذي كان يزرع 5 أفدنة قمح، هذا العام زرع فداناً أو لم يزرع. والمزارع في نهر النيل الذي كان يراهن على القمح لتغطية خسائر الخريف، خسر الموسمين معاً.
وهنا نصل للجزء الأخطر في القصة. المشاريع التي ضاعت هي مشاريع ولائية بامتياز. أرض الولاية، ومزارع الولاية، وميزانية الولاية. لكن الذي يديرها فعلياً هي شركة زادنا. زادنا جاءت كذراع استثماري يفترض أن تطور الزراعة، لكنها هذا الموسم كانت الغائب الأكبر. لم تطهر، لم تجهز، لم تصن. تركت الترع مطمورة والقنوات مهملة والطرمبات معطلة، ثم لاذت بالصمت. والسؤال الذي يطرحه كل مزارع: أين حكومة نهر النيل؟ أين حكومة الشمالية؟ لماذا سكتا؟ صمت الولايتين ليس صمت عاجز، بل صمت شريك. فالولاية تملك الأرض وزادنا تدير، وعندما تفشل الإدارة، من واجب المالك أن يحاسب، أن يسحب المشروع، أن يحمي مزارعيه. لكن الولايتين لاذتا بصمت القبور. لا بيان محاسبة، لا لجنة تحقيق، لا حتى عتاب. وكأن ضياع 300 ألف فدان قمح لا يستحق توضيحاً. لأن زادنا تحولت مع الوقت من شركة زراعية إلى كيان فوق المحاسبة. تدير المشاريع بعقلية المستثمر لا المزارع، تتعامل مع الأرض كأرقام في ميزانية، لا كقوت شعب. تبحث عن الربح السريع، لا عن الترعة النظيفة.
وهنا بيت الداء كله. عسكوري مشغول اليوم بشركات التعدين أكثر من انشغاله بالزراعة. الرجل الذي كان يفترض أن يكون في أغسطس واقفاً على كراكة في ترعة في بربر، كان في ذات الوقت يتابع ملفات تعدين، واجتماعات شركات ذهب، وصفقات آليات ثقيلة لا علاقة لها بالزراعة. التعدين مربح وسريع، والذهب براق، والزراعة متعبة وطويلة وتحتاج لصبر وطين. فاختار الطريق السهل: ترك الحقول التي تحتاج لعرق، وذهب وراء المناجم التي تعطي ذهباً. المزارعون يعرفون جيداً أن عسكوري لم يعد يزور المشاريع الزراعية كما يزور مواقع التعدين. وأن اجتماعات الزراعة أصبحت هامشية، بينما اجتماعات التعدين أساسية. فكيف لمن يهمل الزراعة لصالح التعدين أن يجهز موسماً يحتاج لتفرغ كامل منذ أغسطس؟
هذه هي المعادلة القاتلة التي ضيعت الموسم: ولاية تملك لكنها لا تحاسب، وشركة تدير لكنها لا تهتم، ومسؤول مشغول بالذهب لا بالقمح، والنتيجة موسم ضائع وجوع قادم. والخسارة ليست كلاماً. ضياع الموسم يعني خسارة مباشرة تتجاوز 300 ألف فدان قمح، أي 600 ألف طن، قيمتها أكثر من 200 مليون دولار كان يمكن أن توفرها البلاد بدلاً من استيرادها. والأخطر هو الأثر الاجتماعي: آلاف الأسر بلا دخل، وعشرات الآلاف من العمال بلا عمل. الزراعة ليست مؤتمراً صحفياً. لا تحتاج لخطاب رنان عن الاكتفاء الذاتي، بل تحتاج لكراكة تعمل السادسة صباحاً. لا تحتاج لورشة عن أهمية القمح، بل تحتاج لجالون جازولين يصل للطرمبة في وقته. على والي نهر النيل ووالي الشمالية أن يخرجا من صمتهما. المشاريع مشاريع ولاية، وليست مشاريع زادنا. إذا فشلت زادنا فلتحاسب. وعلى عسكوري أن يختار: إما زراعة وإما تعدين. لا يمكن أن تكون مسؤولاً عن قمح الشعب وأنت مشغول بذهب الشركات. القمح يحتاج لرجل يقف في الطين، لا رجل يقف في منجم. الموسم الذي يضيع لا يعود، والجوع الذي ينتج عنه لا يغطيه مؤتمر صحفي. وحين تنشغل الدولة بالذهب وتنسى القمح، فإنها ستخسر الذهب والقمح معاً.



