
فيما مضى، كان الذي يدرس في اتحاد المعلمين يُعاير، يُشار إليه في الحي همساً كأنه ارتكب جريرة لا تغتفر، فما بالك بالتعليم الخاص الذي كان يومها عيباً مستوراً لا يُجاهر به إلا المضطر؟
اليوم انقلبت الآية، وصار العيب مفخرة، وصار التفاخر عيباً. صار التعليم الخاص هو الأصل، والحكومي هو الاستثناء، وصارت المدرسة الحكومية مبنىً مهجوراً تنعق فيه غربان الإهمال، بينما تتراص في الحي الواحد عشر مدارس خاصة، تلمع واجهاتها بالسيراميك والإضاءة، وتخفي خلفها جشعاً لا يرحم.
في كل حي من أحياء هذا الوطن المنكوب، مدرسة حكومية واحدة يتيمة، حولها ما لا يقل عن ثمانمائة بيت. أربعمائة منها على الأقل تدفع دم قلبها للمدارس الخاصة، تدفع رسوماً باهظة، رسوم تسجيل، رسوم زي، رسوم كتب، رسوم ترحيل، رسوم أنشطة، رسوم لا تنتهي.. لو أن هؤلاء الأربع مائة أسرة تبرعت بعشرة في المائة فقط مما تدفعه للتعليم الخاص لتلك المدرسة الحكومية اليتيمة، لتحولت إلى مدرسة نموذجية تضاهي مدارس لندن، ولتمزقت فاتورة التعليم إلى الأبد.
لكننا قوم نحب المظاهر، نعشق أن يقال ابن فلان يدرس في المدرسة الفلانية الخاصة التي رسومها بالدولار، حتى لو كان الأب يبيت جائعاً، والأم تبيع ذهبها، والطفل نفسه يركب حافلة متهالكة ليصل إلى تلك الواجهة اللامعة.
لقد دمر التعليم الخاص التعليم في السودان، لا لأنه تعليم سيئ، بل لأنه حول التعليم من رسالة إلى تجارة، ومن حق إلى سلعة، ومن واجب دولة إلى عبء أسرة.
والأخطر من ذلك.. أنه أفقد المعلم هيبته ووقاره.
المعلم الذي كان بالأمس يمشي في السوق فيفسح له الناس الطريق، صار اليوم موظفاً رخيصاً في سوق التعليم، يتسول المرتب في المدرسة الخاصة، ويُهان إن تأخر، ويُطرد إن اشتكى، ويُطالب بأن يكون مهرجاً ومسوقاً ومربياً وحارساً في آن واحد، وراتبه لا يكفيه ثلاثة أيام.
أي دولة هذه التي تهمل التعليم؟ وأي منطق هذا الذي يجعل راتب المعلم أقل من راتب سائق ركشة، وأقل من راتب عامل في منظمة؟
إننا لا نعفي الدولة من جريمتها الكبرى، إهمالها المتعمد للتعليم والمعلم. الدولة التي لا تضع التعليم في أولوياتها دولة تحفر قبرها بيدها. ومن المعيب والمخجل أن يكون راتب المعلم، صانع الأجيال، وباني العقول، أقل راتب في الخدمة المدنية.
كان من المفترض، في دولة تحترم نفسها، أن يكون راتب المعلم أعلى من راتب رئيس مجلس الوزراء، وأعلى من راتب الوزير، وأعلى من راتب الوالي، لأنه هو الذي يصنع الوزير والوالي ورئيس الوزراء نفسه.
لكننا في السودان فعلنا العكس، أهنّا المعلم، وجوعناه، وشردناه، ثم طلبنا منه أن يبني لنا وطناً.
المدارس الخاصة لم ترفع مستوى التعليم، بل وسعت الفجوة الطبقية، خلقت طبقة من أبناء الأغنياء يتعلمون في قاعات مكيفة، وطبقة من أبناء الفقراء يدرسون تحت شجرة، ثم نقول لماذا انهار المجتمع؟
التعليم الخاص في السودان ليس تعليماً، هو بزنس، هو استثمار، هو غسيل أموال في كثير من الأحيان، مدارس بلا ساحات، بلا معامل، بلا مكتبات، بلا معلمين مؤهلين، فقط مبنى مستأجر، وسبورة بيضاء، ولافتة مضيئة، ورسوم بالملايين.
آن الأوان أن نعود إلى رشدنا، أن نعيد للمدارس الحكومية مجدها، أن ندعمها لا بالشعارات بل بالمال، بعشرة في المائة فقط من فاتورة التعليم الخاص ستنهض المدارس الحكومية، وسيعود المعلم معززاً مكرماً، وستختفي هذه الدكاكين التي تسمى مدارس خاصة.
التعليم ليس سلعة لمن يدفع أكثر، التعليم حق، ومن يحوله إلى سلعة فهو يبيع مستقبل الوطن في سوق النخاسة.
_أعيدوا للمعلم هيبته، يعد لكم وطناً._




