
لم تكن ولاية الجزيرة مجرد ساحة عابرة في دفتر الحرب بل كانت في صلب المعادلة الاقتصادية التي اهتزت ثم بدأت تستعيد توازنها. اقتصاد الولاية الذي أرهقته الحرب بتعطل الإنتاج وارتباك الأسواق بدأ يلتقط أنفاسه عبر عمل مؤسسي تقوده وزارة المالية والاقتصاد والقوى العاملة من خلال الإدارة العامة للتجارة.
كان عام 2025 عاماً ثقيلاً على الجزيرة. الحرب لم تخلف خسائر مادية فقط بل تركت اختلالات عميقة في سلاسل الإمداد وحركة الأسواق. غير أن ما جرى بعد ذلك يكشف عن قدرة المؤسسات على إدارة الأزمة وتحويلها إلى فرصة. لقد أدت غرفة الطوارئ الاقتصادية واللجنة العليا للطوارئ دوراً حاسماً في تأمين السلع الأساسية وضمان استمرار عمل المخابز وتدفق الدقيق والسكر والزيوت حتى تجاوزت الولاية مرحلة الخطر وبلغت الاكتفاء. بل إنها تحولت إلى رافد يدعم ولايات أخرى كانت في أمس الحاجة إلى السلع.
هذا التحول لم يأت مصادفة. هو ثمرة تنسيق محكم بين الإدارة العامة للتجارة والأجهزة الأمنية والرقابية. فاستقرار السوق لا تصنعه القرارات الإدارية وحدها بل تصنعه منظومة رقابية صارمة تكبح المضاربات وتطارد الفوضى التي تنشأ عادة في قلب الأزمات. لقد عملت فرق الرقابة ميدانياً على ضبط الأسعار وملاحقة المحتكرين وفتح مسارات الإمداد أمام الشاحنات القادمة من الموانئ والولايات الآمنة. وحين اطمأن التاجر إلى أن بضاعته ستصل اطمأن المواطن إلى أن السلعة ستكون على الرف.
وتأتي إعادة تشغيل الميناء الجاف في مدني لتؤكد أن التعافي ليس رد فعل مؤقت بل رؤية استراتيجية. الميناء لم يعد مرفقاً إدارياً معطلاً بل عاد مركز خدمة تجارية يختصر الزمن والكلفة أمام الموردين ويعيد للجزيرة دورها الطبيعي في خريطة التجارة السودانية. تخليص البضائع داخل الولاية يعني تقليل كلفة الترحيل ويعني تسريع وصول السلع إلى الأسواق ويعني فتح الباب أمام حركة تجارية أوسع تستفيد منها الخرطوم وسنار والنيل الأبيض. إنها خطوة تعيد الثقة إلى رأس المال وتقول للمستثمر إن الجزيرة عادت بيئة آمنة للعمل.
ما يجري في الجزيرة اليوم يقدم درساً واضحاً في إدارة الاقتصاد تحت الضغط. الأزمات لا تُدار بالشعارات بل بالمرونة والجرأة في اتخاذ القرار. ولا تُحل بالمسكنات بل برؤية بعيدة المدى تعرف أن السوق يحتاج إلى أمن وإلى سلع وإلى رقابة وإلى بنية تحتية تعمل. وزارة المالية في الجزيرة فهمت هذه المعادلة فجعلت من نفسها رأس الرمح. لم تنتظر التحويلات الاتحادية بل حركت مواردها الذاتية. لم تلاحق التاجر بالجباية بل شجعته على فتح متجره. لم تكتف بتوزيع الإغاثة بل أعادت تشغيل عجلة الإنتاج.
إن استمر هذا النهج في تنشيط الأسواق وتطوير البنية التجارية فإن الجزيرة مرشحة بقوة لتعود أحد أهم مراكز النشاط الاقتصادي في السودان. هي تملك الموقع وتملك الميناء الجاف وتملك السوق الكبير وتملك قبل ذلك إرادة إدارية قررت أن تواجه المستحيل. والتجربة أثبتت أن الإرادة حين تقترن بالخطة تصنع الفارق.
مالية الجزيرة اليوم لا تدير أرقاماً في دفاتر بل تدير ثقة في السوق. وكل مخبز عاد للعمل وكل شاحنة دخلت الميناء الجاف وكل سلعة استقر سعرها هي شهادة على أن رأس الرمح أصاب هدفه. الاقتصاد يتعافى من هنا من حيث يُصنع الخبز وتُحمى الأسواق وتُعاد للمواطن طمأنينته.




