منوعات

شموخ عمر تكتب: فدوى فريد.. آخر الملائكة السمر: صوتٌ حمل وجع الأرض وغنّى للفرح المؤجل

▪️في زحام الأصوات التي تتشابه، والوجوه التي تُنسى، يولد أحياناً صوتٌ لا يشبه إلا نفسه. صوتٌ يحمل في طياته سيرة وطن، وملامح جيل، وحزناً نبيلاً لا يموت. فدوى فريد، التي وصفها العارفون بـ”آخر الملائكة السمر”، ليست مجرد مطربة عبرت خريطة الغناء السوداني. هي فصلٌ كامل من كتاب الوجع الجميل، ونافذةٌ أخيرة على زمن كان فيه الفن التزاماً، والصوت رسالة، والأغنية موقفاً.
▪️لم تأتِ فدوى فريد من صالونات النخبة، ولا من معاهد الموسيقى المغلقة. جاءت من هناك، من عمق الناس، من البيوت الطينية التي تحفظ الحكايات، ومن الأزقة التي تعرف معنى الصبر. حملت معها سمرة الأرض، وعنفوان النيل، وكبرياء المرأة السودانية التي تغني وهي تطحن، وتزغرد وهي تدفن.
دخلت المشهد الفني في زمن كانت فيه الأغنية الأنثوية تحتاج إلى ألف جواز مرور. لكن صوتها كان جوازها. صوتٌ عريض المساحة، حاد كالسكين في شجنه، ناعم كالنسمة في فرحه. لم تستأذن أحداً، ولم تستعن بكتف. غنّت، فأنصت الجميع
▪️ما يميز فدوى فريد ليس قوة الحنجرة وحدها، بل “ثقافة الصوت”. هي تغني فتشعر أن في حنجرتها طبقات من التاريخ: طبقة فيها حنين الحقيبة، وطبقة فيها تمرد الخرطوم في السبعينيات، وطبقة فيها وجع النزوح الجديد.
حين تشدو، لا تسمع نغمة فحسب، بل تسمع سيرة. في “القرار” ترقد أمومةٌ دافئة، وفي “الجواب” يستيقظ تمرّدٌ قديم. هي لا تؤدي الأغنية، بل تسكنها. تلبسها كما تلبس الثوب، وتخلع عليها من روحها حتى تظنها كُتبت لها وحدها.
▪️اختارت فدوى أن تغني للإنسان قبل أن تغني للحبيب. في زمن الأغنيات الاستهلاكية، انحازت للنص الذي يحمل قضية. غنّت للوطن الممزق، وللأم التي تنتظر، وللطفل الذي كبر قبل أوانه، وللرجل الذي هزمته الأيام لكنه لم ينكسر.
لم تكن أغانيها “مباشرة” فجة، ولا “رمزية” غامضة. كانت تمشي على حد السكين: وضوحٌ يفهمه البسطاء، وعمقٌ يهز المثقفين. لذا، صار جمهورها هو السودان كله: من المثقف في برجه العاجي، إلى بائعة الشاي في طرف السوق. كلهم وجدوا أنفسهم في صوتها.
▪️”آخر الملائكة السمر” ليس وصفاً جمالياً فحسب. هو شهادة أخلاقية. ففي زمن المساومات، ظلت فدوى فريد خارج السوق. لم تغنِّ في ولائم السلطة، ولم تطرّز صوتها ليرضي دافعاً. دفعت ثمن موقفها تهميشاً وتضييقاً، لكنها ربحت نفسها، وربحت احترام الناس.
الملاك لا يساوم على أجنحته. وهي لم تساوم على حنجرتها. غنت ما تؤمن به، وصمتت حين لم تجد ما يستحق الغناء. وفي زمن الضجيج، صار صمتها موقفاً، وحضورها احتجاجاً، واستمرارها مقاومة.
▪️اليوم، والساحة تمتلئ بأصوات سريعة الذوبان، تبقى فدوى فريد علامة على أن الفن الحقيقي لا يموت. هي الجسر بين أغنية الأمس التي كانت تُحفظ في الصدور، وأغنية الغد التي نتمنى أن تكون بحجم الوجع.
إرثها ليس ألبومات تُعد على الأصابع، بل مدرسة في الصدق. علمتنا أن الصوت إذا لم يكن محمولاً على قضية، صار ضوضاء. وأن الفنان إذا لم يكن ضمير شعبه، صار بهلواناً.
▪️يقولون إن “آخر الملائكة السمر” اعتزلت، أو صمتت، أو أتعبها الطريق. لكن الحقيقة أن الملائكة لا ترحل. هي تعود إلى السماء حين تمتلئ الأرض بالضجيج، لكنها تترك أثر أجنحتها على كل قلب أحبها.
فدوى فريد ليست ذكرى. هي معيار. كلما سمعنا أغنية فارغة، تذكرناها. وكلما اشتقنا لصوت يشبهنا، عدنا إليها.
ستظل هناك، في مكان ما من وجداننا، تغني للوطن الذي نحلم به، وللفرح الذي تأجل، وللإنسان الذي يستحق أن يُغنّى له.
لأن بعض الأصوات لا تموت. بعض الأصوات تصير وطناً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى