
في مكتبه البسيط الذي يطل على أحد مصانعه بمدني، جلسنا مع رجل الأعمال الأستاذ بشير جموعة. رجل يفضّل الأرقام على الخطب، والميدان على القاعات المكيفة. فتح قلبه للحديث عن هموم الاقتصاد، ومعركة عودة الصناعة، والدور الذي يجب أن يلعبه رأس المال الوطني في زمن التعافي.
—
*س: أستاذ بشير، كيف تقرأ المشهد الاقتصادي اليوم بعد عامين من الحرب؟*
*ج:* بصراحة، نحن في غرفة الإنعاش. الاقتصاد السوداني تلقى ضربات موجعة: توقف الإنتاج، انهيار العملة، هجرة الكفاءات، وتدمير البنية التحتية. لكن الغرفة هذه فيها أجهزة تنفس تعمل. ما زال لدينا أرض خصبة، وموانئ، وإنسان منتج إذا وجد الحد الأدنى من الاستقرار. التحدي ليس في التشخيص، بل في العلاج. والعلاج لن يكون بالشعارات ولا بالمسكنات، بل بخطة واضحة أولها الأمن، وثانيها إعادة تشغيل ماكينات الإنتاج.
*س: دائماً تربط بين الصناعة والبنية التحتية. لماذا؟*
*ج:* لأن المصنع لا يعيش في جزيرة معزولة. المصنع يحتاج طريقاً لتصل إليه المادة الخام وتخرج منه السلعة. يحتاج كهرباء لا تقطع، وميناء يخلص بضاعته في يوم لا في شهر. عندما أتحدث عن “نفير طريق مدني – المناقل”، فأنا لا أتحدث عن إسفلت، بل عن شريان حياة لمشروع الجزيرة. طن القمح الذي يتلف في الشارع بسبب الحفر، هو خسارة للمزارع وللمطحن وللمواطن. عودة الصناعة تبدأ من هنا: من الطريق، من الميناء، من الكهرباء. وفروا لي هذه، وسأشغل لك ألف مصنع.
*س: ما هي أبرز معوقات عودة الصناعة من وجهة نظرك كرجل أعمال؟*
*ج:* سألخصها في ثلاثة:
*الأول: فقدان الثقة.* المستثمر الوطني والأجنبي يحتاج بيئة مستقرة وتشريعات ثابتة. لا يمكن أن تفتح مصنعاً اليوم وتأتيك رسوم جديدة غداً.
*الثاني: كلفة التمويل والتشغيل.* سعر الفائدة عالٍ، والوقود بالسعر العالمي، والجمارك على مدخلات الإنتاج مرهقة. كيف أنافس منتجاً مستورداً وأنا أدفع كهرباء تجارية مضاعفة؟
*الثالث: العمالة الماهرة.* الحرب هجّرت آلاف الفنيين. نحتاج برنامجاً وطنياً عاجلاً لإعادة التأهيل والتدريب. بدون يد عاملة مدربة، الماكينة لا قيمة لها.
*س: لكن رغم كل هذا، مصانعك لم تتوقف. ما السر؟*
*ج:* السر ليس في عبقريتي، بل في قناعتي أن التوقف يعني الموت. خسرنا كثيراً، نعم. لكن قررنا أن نقاوم. جدونا خطوط الإنتاج، واعتمدنا على المخزون، ودخلنا في شراكات مع مزارعين بنظام الزراعة التعاقدية لنضمن الخام. الأهم، أننا لم نسرح عاملاً واحداً. لأن العامل الذي يذهب اليوم، لن يعود غداً. الحفاظ على الكادر هو استثمار في المستقبل.
*س: يتحدث الناس عن دورك الإنساني خلال الأزمة. لماذا لا تحب الإعلان عن هذا الجانب؟*
*ج:* يا أخي، هذا واجب وليس منّة. عندما ترى أماً نازحة تفترش الأرض مع أطفالها، المال يفقد معناه إن لم يتحرك. نحن تجار، وربحنا من هذا البلد وأهله. فكيف نقف متفرجين وهم في محنة؟ ما قدمناه في مراكز الإيواء من غذاء ودواء، وما ساهمنا به في صيانة غسيل الكلى، هو جزء يسير من الدين الذي في رقبتنا. الصدقة الحقيقية هي التي لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك. نحن لا نريد جزاءً ولا شكوراً.
*س: بصفتك ممثلاً للقطاع الخاص، ما هي رسالتك للدولة؟*
*ج:* رسالتي بسيطة: نحن لسنا خصوماً، نحن شركاء. الدولة لا تستطيع أن تبني وحدها، والقطاع الخاص لا ينجح في بيئة فوضى. المطلوب شراكة ذكية. أعفوا مدخلات الإنتاج من الجمارك، وفروا الكهرباء للمصانع بسعر مدعوم، وأشركونا في رسم السياسات لا في تنفيذها فقط. وأعدكم أننا سنحول السودان إلى ورشة عمل كبيرة. أعطونا الأمان والعدالة، ونحن نعطيكم الإنتاج والتصدير والوظائف.
*س: وما رسالتك لزملائك رجال الأعمال؟*
*ج:* أقول لهم: هذه بلدنا. إن لم نبنها نحن، فلن يبنيها لنا أحد. الحرب كشفت معادن الرجال. هناك من هرب بأمواله، وهناك من حوّل شركته إلى غرفة طوارئ لخدمة الناس. التاريخ يسجل. الأرباح التي تأتي على حساب وطن جريح، هي خسائر مؤجلة. استثمروا في الناس قبل الحجر. ابنوا مصنعاً وشغلوا مئة شاب، خير لكم من عمارة في الخارج. تعافي الجزيرة هو تعافي السودان، وتعافي السودان يبدأ من هنا، من العمل والإنتاج.
*س: كلمة أخيرة؟*
*ج:* متفائل رغم الجراح. هذا الشعب علمنا أن المحن تزيده صلابة. سنعبر بإذن الله. فقط نحتاج أن نثق في بعضنا، وأن نعمل بصدق. الاقتصاد ليس معادلات في البنك المركزي فقط، الاقتصاد هو المزارع في حواشته، والعامل في مصنعه، وسائق الشاحنة على الطريق. إذا استقام حال هؤلاء، استقام حال البلد كله.




