منوعات

عيدٌ يليق بالشاشة: قراءة في برمجة اليوم الأول لتلفزيون السودان

تقرير : معاوية السقا

▪️حين يكون العيد مناسبة تتجاوز الاحتفال الشخصي إلى معنى وطني جامع، يصبح واجب الشاشة أن تكون مرآة لهذا المعنى. وفي اليوم الأول من عيد الأضحى المبارك 1447هـ، قدم تلفزيون السودان برمجة متزنة جمعت بين روحانية الشعيرة، ودفء التواصل، وخفة الترفيه المحسوب. لم تكن البرمجة مجرد حشو ساعات، بل كانت محاولة واعية لإعادة الاعتبار للتلفزيون العام كفضاء للبيت السوداني كله.
▪️البرمجة لم تبدأ بالترفيه، بل بدأت حيث يبدأ العيد: بـ صلاة عيد الأضحى وخطبتها. تخصيص ساعتين كاملتين من 9:00 إلى 11:00 صباحاً لنقل الشعيرة، مع كسوة الجرحى وذبح الأضحية، رسالة واضحة أن الأولوية للمعنى الديني. هذا الترتيب يحفظ للمناسبة هيبتها، ويمنح الأسرة السودانية مادة روحية تشاركها ولو لم تخرج للمسجد.

▪️الملاحظ ذكاء المزج بين البث المباشر والمسجل. فترات التهاني المباشرة من 6:00 إلى 7:00 مساءً، وفترات “مسرحمان 1” المباشرة ظهراً، كسرت جمود البرمجة المسجلة وأعطت إحساساً بأن الشاشة حية وتتفاعل مع لحظة العيد. في المقابل، الفقرات المسجلة مثل “فترة السمحادة حافظة الشريف الهندي” و”صالون شباب السينما” منحت المتلقي محتوى ثقافياً وتراثياً لا يتقادم خلال اليوم
▪️البرمجة لم تخاطب فئة واحدة. للكبار كان هناك “بودكاست حوارات تيسير محمد حسين مع وزير الصحة القطري” في المساء، وللشباب “صالون شباب السينما” و”سهرة الرياضيين”، وللعائلة ككل “فواصل وتراويح” و”سهرة سلمى سيد”. هذا التنوع يحمي الشاشة من تهمة النخبوية أو الشعبوية، ويجعلها مكاناً يجد فيه كل فرد ما يناسبه دون أن يشعر بالغربة.

▪️في زمن تبتلع فيه المنصات المحتوى المستورد، كان من اللافت حضور الأسماء السودانية: تيسير محمد حسين، حافظة الشريف الهندي، سلمى سيد، عوض الجيد الكباشي. البرمجة قالت بوضوح إن العيد فرصة لإعادة تقديم الوجوه التي تشكل الذاكرة الوجدانية للسوداني، بدل الهروب إلى محتوى جاهز لا يمس الوجدان.

▪️الانتقال من السهرات الترفيهية إلى “الإعادات والقراءات الدينية” منتصف الليل وحتى الفجر، اختيار موفق. فهو يختم اليوم بطمأنينة، ويذكر المشاهد بأن العيد ليس خروجاً عن المعنى، بل عودة إليه.

▪️برمجة اليوم الأول لم تكن ثورية، لكنها كانت رشيدة. رشيدة لأنها فهمت أن مهمة التلفزيون العام في العيد ليست إبهار المشاهد بضخامة الإنتاج، بل منحه إحساساً بأن بيته حاضر على الشاشة.

▪️التلفزيون الذي يبدأ يومه بالتكبير، ويمرره بالغناء الرصين، ويختمه بالقرآن، هو تلفزيون يفهم معادلة التوازن الدقيقة بين قداسة المناسبة وخفة الاحتفال. وهذه معادلة تستحق الإشادة، لأنها تعيد الاعتبار للشاشة الوطنية في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى