منوعات

ريم يونس تكتب: بين الاحتفال في دبي وصراخ المدن المحترقة.. موقف يُحسب على الفن

حين يصبح الغناء على موائد الدم، والتكسب فوق جث الأبرياء، تسقط كل معاني الفن والإنسانية. الفن الذي لا ينحاز للوجع الإنساني يتحول إلى ضجيج فارغ، والصوت الذي يختار توقيت الاحتفال في لحظة الحداد يفقد شرعيته الأخلاقية قبل أن يفقد جمهوره.

مشاركة الفنانة إنصاف مدني في فعالية بدبي، ورفع شعار “دقلو فوق” في توقيت تتحدث فيه الأخبار عن مجازر الفاشر والجزيرة والدلنج وبقية المدن التي أحرقتها حرب الجنجويد، لم تكن مجرد زلة توقيت. كانت رسالة، وقراءة الرسالة لا تحتاج لجهد كبير.

دماء الشعب السوداني ليست مسرحاً للرزق ولا وسيلة للشهرة. آهات الأمهات اللواتي يدفنّ أبناءهن، وأنقاض البيوت التي لم يبقَ منها إلا الذاكرة، ليست خلفية بصرية لحفل ولا مادة ترويجية لمنشور. من يختار أن يغني بينما المدن تحترق، ويختزل معاناة ملايين النازحين في شعار سياسي، فقد باع صوته وضميره معاً.

الخطورة هنا ليست في الشخص، بل في تطبيع الفكرة: أن الألم يمكن أن يُستأجر، وأن المأساة يمكن أن تُدار كحدث ترفيهي. هذا المنطق يحول الضحايا من بشر لهم أسماء وقص إلى أرقام تُنسى ومشاهد تُستغل عند الحاجة.

لا أحد يصادر حق الفنان في الاختيار السياسي. لكن الاختيار يصبح سقوطاً عندما يأتي على حساب الذاكرة الجماعية وعلى حساب الناس الذين لا يملكون تذكرة طائرة إلى دبي ليسمعوا رداً على صوتهم. الفن الحقي يقاس بقدرته على أن يكون صوت من لا صوت لهم، لا مكبراً لصوت من يملك السلاح والمال.

سيأتي يوم تُروى فيه الحقيقة كاملة، وتُفصل فيه الصفوف. سيُعرف من وقف مع الوطن حين كان الوطن جريحاً، ومن تاجر بوجعه حين ظن أن الكاميرا لن تنطفئ. وحين يأتي ذلك اليوم، لن ينفع اعتذار متأخر ولا تبرير بارد.

السؤال المتبقي بسيط وقاسٍ: هل يستطيع صوت أن يعود نظيفاً بعد أن غنّى فوق الدم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى