مقالات

شموخ عمر تكتب عطبرة.. الميناء لا يُدار بالعرف، بل بهيبة القانون

في قلب عطبرة، حيث يلتقي صدى القطارات بعجيج البصات، يقف الميناء البري شاهداً على نبض المدينة وتاريخها. هو ليس مجرد ساحة تذاكر ومظلات انتظار، بل مرفق سيادي، وشريان عبور، ووجهٌ للدولة في عيون المسافرين. ومن هنا تبدأ مسؤولية “إدارة الميناء”: أن تحافظ على المكتسبات، وأن تفرض الانضباط بقوة القانون لا بقوة العرف.

*الحفاظ على المكتسبات*
كل رصيفٍ مرصوص، وكل كرسي انتظار، وكل نظام تذاكر منظم، هو مكتسب دفع ثمنه المواطن من ضرائبه وانتظاره وصبره. فلا يجوز أن يأتي من يستحدث “رسوماً” موازية، أو يخلق سلطةً داخل السلطة، فيفتت هذا المكتسب ويحوله إلى فوضى جباية. الحفاظ على المكتسبات يعني حماية المال العام من اليد العابثة، وصيانة النظام من اليد المرتجفة. يعني أن يعود كل جنيه يُدفع بإيصال رسمي إلى خزينة الدولة، لا إلى جيبٍ يتخفى وراء اسم “غرفة” أو “لجنة”.

*فرض الانضباط بقوة القانون*
الانضباط لا يُفرض بالصراخ، ولا تُدار الحركة بالهتاف. الانضباط قانون مكتوب، ولائحة واضحة، وعقوبة رادعة لمن يتجاوز. من حق إدارة الميناء أن تنظم الدخول والخروج، وأن تحدد المواقف، وأن تحاسب المخالف. لكن بسلطان القانون وحده. فالقانون هو السياج الذي يحمي القوي من التغول، والضعيف من الإذلال. حين يُطبق القانون، يستوي صاحب البص الكبير مع الصغير، ويأمن المسافر على تذكرته، وتطمئن الدولة أن مرفقها لا يدار بالأهواء.

يا إدارة الميناء بعطبرة، إنكم وكلاء على أمانة ثقيلة. فلا تسمحوا بتغولٍ ينتزع صلاحياتكم، ولا بجبايةٍ تسرق هيبتكم. اجعلوا القانون سيفكم ودرعكم، واجعلوا الشفافية لسان حالكم. فالميناء الذي يُدار بالقانون يصير مدرسة للانضباط، والميناء الذي يُترك للعرف يغدو سوقاً للفوضى.

عطبرة تستحق ميناءً يليق بتاريخها: ميناء يحفظ الحق، ويصون المال، ويقول للمسافر بكل وضوح: هنا دولة، لا دكان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى