التقارير

حافظ تكتب : ولاية الجزيرة: ملامح العافية تعود.. وخطى التطبيع ترسم طريق التعافي

بعد أشهر عجاف من التوقف والشلل، بدأت ملامح الحياة الطبيعية تتسلل رويداً رويداً إلى مدن وقرى ولاية الجزيرة. ليست العودة صاخبة ولا كاملة، لكنها حقيقية. في الأسواق التي كانت شبه خاوية، عادت الحركة. في المدارس التي صمتت طباشيرها، عاد صخب التلاميذ. وفي المرافق التي أنهكها التوقف، بدأت عجلة الخدمة تدور من جديد. إنها قصة ولاية تأبى الانكسار، وتكتب بمداد الصبر سطور التعافي.

القطاع الصحي: من غرف الطوارئ تبدأ الحياة
كانت المستشفيات أولى ضحايا الحرب، وهي اليوم أولى بشارات العودة. مستشفى ود مدني التعليمي استعاد 60% من طاقته التشغيلية، ومركز الجزيرة للقلب عاد لاستقبال مرضى القسطرة، والمستشفى السوداني البريطاني فتح عنابره للجراحات الدقيقة. القاسم المشترك: كوادر طبية قررت البقاء، وإدارات خاضت معركة الإمداد الدوائي والوقود في ظروف بالغة التعقيد.

عيادات التأمين الصحي في المحليات استأنفت عملها، وعادت حملات التطعيم للأطفال تطوف القرى. لا تزال التحديات كبيرة، لكن المواطن الذي كان يقطع 200 كيلومتر طلباً للحقنة، بات يجدها اليوم على بعد أمتار من داره. هذه عودة للحياة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

التعليم: رنين الجرس يهزم صوت المدافع
في فبراير 2026، اتخذت حكومة الولاية قراراً جريئاً: استئناف العام الدراسي. كان قراراً محفوفاً بالمخاطر، لكنه ضروري. اليوم، أكثر من 70% من مدارس الأساس والثانوي في محليات مدني الكبرى والمناقل والكاملين فتحت أبوابها. عاد المعلمون المتطوعون والنظاميون إلى فصولهم، وعاد التلاميذ بزيهم المدرسي الذي كان حلماً بعيداً.

التحديات قائمة: نقص في الكتاب المدرسي، واكتظاظ بسبب استخدام بعض المدارس كمراكز إيواء. لكن مشهد الطلاب وهم يصطفون في الطابور الصباحي يرددون النشيد الوطني، هو أبلغ رسالة بأن النسيج الاجتماعي للولاية لم يتمزق.

الأسواق والخدمات: نبض الاقتصاد يعود
سوق ود مدني الكبير، قلب الجزيرة النابض، استعاد 80% من نشاطه. الخضار يرد من مزارع الجزيرة مباشرة، بعد أن كان الطريق مغلقاً. محطات الوقود تعمل بنظام الحصص، لكن الطوابير الطويلة تقلصت. البنوك فتحت نوافذها للسحب والإيداع، وبدأت حركة التحويلات البنكية تعود تدريجياً.

الكهرباء لا تزال تعمل بنظام البرمجة القاسية، لكن ساعات الإمداد زادت من 4 إلى 9 ساعات يومياً في مدني. هيئة المياه أكملت صيانة 15 محطة رئيسية، وعاد الإمداد لأحياء كاملة كانت تعتمد على “الكارو”. هذه الخدمات ليست ترفاً، بل هي الحد الأدنى الذي يجعل المواطن يشعر أنه عاد إلى بيته.

. الزراعة: عودة الروح للمشروع
مشروع الجزيرة، رئة السودان الاقتصادية، يشهد حراكاً محموماً. “نفير تأهيل القنوات” الذي قادته أمانة الحكومة بمشاركة المزارعين والقطاع الخاص، أنقذ آلاف الأفدنة. بدأت التحضيرات للعروة الشتوية، ووصلت كميات من تقاوي القمح والسماد إلى المخازن. عودة صوت “بابور اللستر” في الحواشات هو الموسيقى التي يطرب لها كل سوداني.

تأهيل طريق مدني – المناقل الذي يجري العمل فيه الآن، ليس مجرد مشروع طرق، بل هو ضمان لوصول المحصول إلى السوق دون أن يتلف، وعودة الثقة للمزارع بأن جهده لن يضيع.

المجتمع: التكافل سيد الموقف
ما ميز عودة الحياة في الجزيرة هو الدور المجتمعي. لجان الأحياء نظفت الشوارع، والشباب المتطوعون رمموا المدارس، ورجال الأعمال تكفلوا بصيانة آبار المياه. النازحون الذين استضافتهم الأسر لم يعودوا “ضيوفاً”، بل صاروا جزءاً من النسيج. هذا التماسك هو الضامن الحقيقي لاستدامة التعافي.

خاتمة: التعافي مسيرة لا لحظة
إن ما تشهده ولاية الجزيرة اليوم ليس نهاية المطاف، بل هو بداية الطريق الطويل. لا يزال الدمار كبيراً، والجرح غائراً. لكن الإرادة التي تحرك الناس، من أمين الحكومة في مكتبه، إلى المزارع في حواشته، إلى المعلمة في فصلها، تقول إن هذه الولاية قررت أن تنهض.

تطبيع الحياة لا يعني نسيان ما جرى، بل يعني الإصرار على أن ما جرى لن يتكرر. وأن كل مدرسة تُفتح، وكل طريق يُعبد، وكل مريض يُعالج، هو لبنة في جدار السودان الجديد.

الجزيرة تتعافى. والسودان يتعافى معها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى