منوعات

التلفزيون القومي يستعيد “شاشة العيد” برهاناً على العودة..

الخرطوم - تقرير خاص - المحور

في مشهد رمزي يتجاوز كونه مجرد تغطية تلفزيونية، يعود التلفزيون القومي السوداني هذا العام ببرمجة عيد الأضحى ليرسل رسالة مزدوجة: عودة الحياة الطبيعية إلى العاصمة، وتاكيد ريادته ودوره الوطني في حرب الكرامة
IMG 20260526 WA0525

الخريطة البرامجية التي أعلنها التلفزيون لا تبدو مجرد “ساعات بث”، بل خارطة طريق سياسية وإعلامية مدروسة، تحاول المزاوجة بين الوظيفة الدينية، الخدمية، والترفيهية في ظل واقع استثنائي.

. “صلاة العيد من الخرطوم”.. رسالة سياسية قبل أن تكون دينية

بداية اليوم بنقل مباشر لصلاة العيد من الخرطوم ليست تفصيلاً فنياً. اختيار المكان والزمان يحمل دلالة واضحة: العاصمة التي شهدت معارك عنيفة باتت جاهزة لاستقبال مظهر من مظاهر الحياة العامة.

IMG 20260526 WA0533
المعايدات الفورية مع المصلين بعد الصلاة، ثم “حديث العيد” الذي يدعو لتطبيق الفرائض وإحياء السنن، تشكل محاولة لاستعادة الدور الوعظي والتوحيدي للتلفزيون القومي. في غياب المنابر الموحدة، تسعى الشاشة الرسمية لأن تكون منبراً جامعاً يخاطب السودانيين على اختلاف انتماءاتهم.

“السودان على الهواء”: محاولة لترميم الخريطة الاجتماعية

الفترة الممتدة من 9 صباحاً إلى 11 صباحاً هي الأهم في البرمجة. هنا لا يتحدث التلفزيون إلى الخرطوم وحدها. المعايدات المباشرة من مختلف الولايات، والتفاعل عبر الاتصال والكاميرا، واستضافة فنانين وإعلاميين، كلها أدوات لمحاكاة “العيد الموحد” الذي كسرته الحرب والنزوح.

اللافت هو إدخال الجاليات السودانية خارج البلاد في البث المباشر. هذه خطوة تعترف بواقع أن جزءاً كبيراً من الجمهور المستهدف لم يعد داخل الحدود، وأن استعادة شرعية الشاشة تمر عبر مخاطبة المغترب والنازح على حد سواء.

. ملف العودة من أسوان.. الإعلام في مواجهة الواقع الإنساني

استضافة المخرج شكر الله خلف الله للفنان حسين شندي، وتغطية مصعب محمود لفرحة الأسر العائدة من أسوان، تعكس محاولة ذكية لربط البعد الإنساني بالبعد الوطني.

رحلة العودة من مصر إلى السودان هي واحدة من أكثر الملفات حساسية اليوم. تحويلها إلى مادة تلفزيونية مباشرة يحولها من خبر مكتوب إلى قصة مرئية تلمس وجدان المشاهد، وتعيد الاعتبار لمعاناة النازحين وفرحتهم بالعودة.

. الموازنة بين المسؤول والفنان.. محاولة لاحتواء الجميع

برمجة الظهيرة والمساء تكشف عن استراتيجية “الاحتواء”. لقاءات مع مسؤولين من 1 إلى 3 عصراً تمنح السلطة مساحة لتوصيل رسائلها مباشرة، دون وسيط.

ثم تأتي “فترة السجادة” مع هيئة شؤون الأنصار، و”صالون العيد” من 4 إ

لاستيعاب المكون الديني والاجتماعي. وأخيراً، تفاعل مباشر مع المشاهدين ورسائل العيد مع نجود حبيب، قبل تسليم الشاشة للسهرتين الفنيتين مع السقيد وسلمى سيد.

هذه البنية تهدف لتقديم شيء لكل فئة: السياسي، الديني، الاجتماعي، والشبابي الباحث عن الترفيه.

التحدي الأكبر: المحتوى مقابل الثقة المفقودة

رغم ثقل البرمجة وتنوعها، يبقى السؤال الجوهري: هل تكفي خريطة العيد لإعادة الثقة في التلفزيون القومي؟

التلفزيون الرسمي فقد جزءاً كبيراً من جمهوره خلال سنوات الحرب والانقسام، لصالح منصات التواصل والقنوات الخاصة. المشاهد السوداني اليوم أكثر انتقائية وأقل استعداداً لقبول الخطاب الرسمي دون مساءلة.

نجاح البرمجة لن يقاس بعدد ساعات البث أو ضخامة الضيوف، بل بقدرة الشاشة على تقديم محتوى يشعر معه المواطن أنه مخاطب حقي، لا مجرد متلقٍ لرسائل جاهزة.

الرهان على البث المباشر والتفاعل الآني خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج أن تتحول من حالة استثنائية في العيد إلى سياسة تحريرية دائمة.

برمجة عيد الأضحى للتلفزيون القومي هي أكثر من ترفيه. هي محاولة لاستعادة الرمزية، لملمة الشتات، وإعادة تعريف دور الإعلام الرسمي في لحظة مفصلية. نجاحها مرهون بمدى قدرتها على تجاوز الشكل إلى المضمون، وعلى تحويل “البث المباشر” إلى “تواصل مباشر” حقي مع وجع الناس وأملهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى