
تشهد الساحة الإثيوبية تطوراً نوعياً بعد إعلان جبهة تحرير شعب تيغراي عملياً انتهاء صلاحية اتفاق بريتوريا للسلام الموقَّع عام 2022، عبر إعادة تنصيب مؤسسات حكم إقليمية موازية في تيغراي وتعيين قيادة جديدة منافسة لسلطة أديس أبابا. يتزامن ذلك مع إعادة تموضع أمريكي في البحر الأحمر عبر الانفتاح على إريتريا، في خطوة تمنح الجبهة في تيغراي هامش مناورة إضافياً وتضع رئيس الوزراء آبي أحمد في زاوية ضيقة داخلياً وخارجياً.
وُقِّع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022 بين الحكومة الفدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي بهدف إنهاء الحرب الدامية التي اندلعت عام 2020، ونصّ على وقف إطلاق النار، ونزع سلاح قوات تيغراي تدريجياً، وإعادة دمجها، وعودة الخدمات الأساسية، وترتيبات سياسية انتقالية في الإقليم. شكّل الاتفاق آنذاك اختراقاً دبلوماسياً حظي بدعم إفريقي وأمريكي وأوروبي، واعتُبر فرصة لإعادة بناء الدولة الإثيوبية وتخفيف التوتر في القرن الإفريقي. لكن منذ عام 2023 بدأت تظهر مؤشرات تعثّر في التنفيذ، أبرزها بطء عودة الخدمات، وتعثّر ملف التعويضات والانتهاكات، واستمرار الخلاف حول وضع مناطق متنازع عليها مثل غرب تيغراي، إضافة إلى هشاشة ترتيبات تقاسم السلطة في الإقليم. هذا التراكم فتح الباب لصعود تيارات متشددة داخل تيغراي تعتبر أن أديس أبابا استخدمت الاتفاق لتجريد الإقليم من أوراق قوته دون تقديم مقابل سياسي واقتصادي حقيقي.
في أبريل 2026، أعلن مكتب رئيس الوزراء آبي أحمد تمديد ولاية الفريق الركن تادسي ورِدِه رئيس الإدارة الانتقالية في تيغراي لمدة عام إضافي، بحجة منع الفراغ السياسي واستكمال تنفيذ استحقاقات ما بعد الحرب. جرى التمديد بقرار أحادي من الحكومة الفدرالية، بعد اجتماع في أديس أبابا ضمّ تادسي ومسؤولين اتحاديين كباراً، من دون المرور بمؤسسات تمثيلية منتخبة في الإقليم. اعتبرت قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي هذا الإجراء تجاوزاً للترتيبات المتفق عليها، ومصادرة لحق الإقليم في اختيار قيادته، وامتداداً لسلسلة خروقات قالت إنها طالت جوهر اتفاق بريتوريا، بما في ذلك استمرار الخلافات حول الأمن والموارد المالية. هذا الشعور بالتهميش دفع اللجنة المركزية للجبهة إلى التحرك لاستعادة أدوات الحكم السابقة قبل الحرب.
في خطوة تصعيدية، قررت اللجنة المركزية لجبهة تحرير شعب تيغراي إعادة تفعيل المجلس التشريعي الإقليمي الذي كان قد اعتُبر غير دستوري من قبل الحكومة الفدرالية قبيل اندلاع الحرب عام 2020. وبذلك استعادت الجبهة البنية المؤسسية التي حكمت من خلالها الإقليم لسنوات طويلة قبل الصراع مع أديس أبابا. في 5 مايو 2026، قام هذا المجلس المعاد تشكيله بانتخاب رئيس الجبهة دبرصيون قبر ميكائيل زعيماً لإقليم تيغراي، في موقع موازٍ ومنافس لتادسي ورِدِه المدعوم من الحكومة الفدرالية. بهذا التنصيب، أصبحت تيغراي عملياً أمام سلطة مزدوجة: إدارة انتقالية معترف بها من أديس أبابا، وحكومة فعلية تستند إلى شرعية الجبهة وقاعدتها التنظيمية في الإقليم. أعلنت الجبهة أن اتفاق بريتوريا أصبح «بحكم المنتهي» بسبب ما وصفته بانتهاكات الحكومة الفدرالية، لا سيما التمديد الأحادي لتادسي، و«تسييس» ملف التعويضات والموارد، والتباطؤ في معالجة قضايا المناطق المتنازع عليها. هذا الإعلان يطوي فعلياً صفحة ترتيبات السلام السابقة، ويعيد فتح باب المواجهة السياسية وربما الأمنية بين الطرفين.
على المستوى الإقليمي الأوسع، يتزامن هذا التصعيد في تيغراي مع تحوّل في مقاربة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه البحر الأحمر والقرن الإفريقي، مدفوعاً بتداعيات العدوان على إيران وإغلاق مضيق هرمز وما رافقه من أولوية استراتيجية للممرات البديلة عبر البحر الأحمر. في هذا السياق، برزت مؤشرات على توجّه واشنطن لرفع جزء من العقوبات عن إريتريا والانفتاح على نظام أسياس أفورقي بعد سنوات من العزلة، في محاولة لكسب شريك حيوي على الساحل المقابل للسعودية واليمن. ينظر منتقدو هذه السياسة إلى الخطوة الأمريكية باعتبارها تغاضياً عن سجل حقوق الإنسان في إريتريا وعن اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال حرب تيغراي، في مقابل مكاسب جيوسياسية تتعلق بتموضع عسكري واستخباراتي على البحر الأحمر. كما تُقرأ هذه المقاربة رسالة ضغط على إثيوبيا، الدولة الحبيسة، التي كثّف آبي أحمد خطاباته عن «حق» بلاده في منفذ على البحر، وأثار بذلك مخاوف من نزاعات جديدة مع الجوار الإريتري أو الصومالي.
يجد رئيس الوزراء آبي أحمد نفسه اليوم محاصراً بين عدة جبهات: أزمة مستمرة في أمهرة وأقاليم أخرى، اقتصاد متعثر، وتراجع في الثقة الداخلية، والآن تحدٍّ مباشر من جبهة تحرير شعب تيغراي التي نصّبت قيادة موازية وتحرّكت لإعادة مؤسسات الحكم السابقة. في الوقت نفسه، يواجه آبي إعادة اصطفاف إقليمي تتقارب فيه واشنطن مع أسمرة بينما تتعمق علاقات القاهرة والرياض مع أطراف مختلفة في القرن الإفريقي، على خلفية النزاع حول سد النهضة وملف البحر الأحمر. تشير تحليلات إلى أن آبي كان يراهن على ترتيبات مع إريتريا أو «بيئة ما بعد أسياس» للحصول على منفذ إلى البحر، وأن دوائر استخباراتية غربية رصدت تفكيراً في خيارات ضغط أو زعزعة استقرار ضد نظام أسمرة، وهو ما وُصف بأنه رهان محفوف بالمخاطر. غير أن التقارب الأمريكي مع إريتريا، إذا تأكد واستمر، سيحد من قدرة أديس أبابا على استخدام ورقة التهديد أو النفوذ في أسمرة، ويزيد من عزلتها في ملف البحر الأحمر.
إعلان جبهة تحرير شعب تيغراي دفن اتفاق بريتوريا وتنصيب حكومة موازية يهددان بإعادة الإقليم إلى أجواء ما قبل الحرب، سواء عبر عودة المواجهة المسلحة أو عبر صراع طويل على الشرعية والموارد بين هياكل الحكم المتنافسة. كما يقوّض ذلك الثقة في أي اتفاقات سلام مستقبلية داخل إثيوبيا، ويعطي رسالة سلبية للأقاليم الأخرى التي تراقب مسار العلاقة بين المركز والأطراف. إقليمياً، يتقاطع هذا التوتر مع تصاعد سباق النفوذ في البحر الأحمر بين الولايات المتحدة وخصومها، وبين القوى الإقليمية العربية والإفريقية، ما يجعل من تيغراي والقرن الإفريقي عموماً مسرحاً لصراعات متداخلة محلية ودولية. وفي ظل غياب مسار حوار شامل يعالج جذور الأزمة الإثيوبية ويتعامل مع حسابات القوى الإقليمية في آن واحد، تبدو احتمالات الانزلاق نحو عدم استقرار مزمن في القرن الإفريقي أكثر ترجيحاً من عودة سريعة إلى مسار سلام مستدام.
دفن اتفاق بريتوريا، كما تقول الجبهة في تيغراي، ليس مجرد خطوة محلية بل انعكاس لفشل ترتيبات ما بعد الحرب في معالجة جذور الصراع البنيوية في إثيوبيا. ومع دخول فاعلين دوليين بثقل الولايات المتحدة إلى مشهد البحر الأحمر عبر بوابة إريتريا، تبدو معادلة القوة في القرن الإفريقي أمام إعادة تشكيل عميقة، سيكون لآبي أحمد وجبهة تحرير شعب تيغراي وأسمرة دور محوري في رسم ملامحها، بين خيار التصعيد وخيار تسوية جديدة أكثر شمولاً وواقعية.




