
افتتاح وزير الصحة المكلف بولاية الجزيرة، د. أسامة عبد الرحمن، لمركز العناية المركزة بمستشفى ود مدني العسكري ليس مجرد تدشين لمرفق طبي جديد. هو في جوهره إعلان سياسي وصحي عن انتقال ولاية الجزيرة من مرحلة “إدارة الطوارئ” إلى مرحلة “بناء المنظومة” في زمن الحرب وما بعده.
المشهد يحمل رسائل متداخلة: وزير الصحة ممثلاً للوالي، قائد ثاني الفرقة الأولى مشاة، وقائد المستشفى العسكري. هذا الحضور يكشف أن الصحة في الجزيرة لم تعد شأناً مدنياً خالصاً، ولا عسكرياً خالصاً. الحرب فرضت شراكة مصيرية بين الجهاز التنفيذي والمؤسسة العسكرية لإدارة الملف الصحي. المستشفى العسكري يفتح أبوابه للمدنيين، والوالي يرسل وزيره ليفتتح مرفقاً داخل حرم عسكري. هذه هي الصيغة الجديدة: الدولة كلها في خندق واحد، والخدمة حق للجميع بلا تمييز بين بزة مدنية وبزة عسكرية.
تصريح الوزير بأن المركز “يسهم في تقليل نسبة التحويلات الطبية خارج الولاية” هو جوهر الحدث. لسنوات، كان المواطن في الجزيرة يقطع مئات الكيلومترات إلى الخرطوم بحثاً عن سرير عناية مركزة. هذا يعني نزيفاً مالياً للأسر، ومخاطرة بأرواح المرضى في الطريق، وتفريغاً للولاية من مواردها. افتتاح هذا المركز، مع “أحدث الأجهزة” و”كادر مؤهل”، يعني أن الولاية بدأت معركة “توطين العلاج”. وهي معركة لا تقل أهمية عن معركة التحرير، لأنها تسترد كرامة المريض وتوقف هجرة الكفاءات الطبية.
قول الوزير إن “الولاية تشهد استقراراً كبيراً في القطاع الصحي” ليس وصفاً لواقع فقط، بل هو خطاب تعبوي. في زمن الحرب، الاستقرار نفسه إنجاز. والمستشفى الذي يُفتتح، والجهاز الذي يُركب، والطبيب الذي يبقى في موقعه، كلها أفعال مقاومة. الوالي وحكومته يريدون القول إن الجزيرة تجاوزت مرحلة الخطر الوجودي، وبدأت مرحلة البناء. افتتاح مركز للعناية الحرجة في مدينة كانت مهددة قبل أشهر، هو توقيع عملي على شهادة “التعافي”.
الاختبار الحقيقي لا يكمن في قص الشريط، بل في ما بعده. مركز العناية المركزة يحتاج إلى شرايين ليعيش: الإمداد المستمر من المحاليل والأدوية وقطع الغيار، والكادر البشري المؤهل من أطباء عناية وتخدير وتقنيين مدربين، وحوكمة واضحة تحدد أولويات الدخول وتضمن عدالة توزيع الخدمة وتمنع تحول المركز إلى خدمة نخبوية. الأجهزة الحديثة بلا كادر مدرب تتحول إلى هياكل صامتة.
التزام قيادة المستشفى العسكري بـ”فتح الأبواب للعسكريين والمدنيين” تصريح مهم، لكنه يحتاج إلى آلية واضحة تضمن العدالة في الوصول للخدمة، خاصة في أوقات الذروة. المواطن يريد أن يلمس أثر الافتتاح حين يحتاج والده لسرير عناية دون أن يُقال له “لا يوجد مكان” أو “اذهب للخرطوم”.
ما حدث في ود مدني العسكري اليوم هو أكثر من إضافة سرير طبي. هو ترسيخ لمفهوم أن “السيادة الوطنية” لا تُحمى بالبندقية وحدها، بل تُحمى بغرفة عناية مركزة تستقبل الجريح والمواطن معاً. وهو إعلان أن ولاية الجزيرة تريد أن تكون نموذجاً لـ”دولة ما بعد الحرب”: دولة تداوي جراحها بيدها، ولا تنتظر الإغاثة من أحد.
المعركة القادمة هي معركة التشغيل، ومعركة العدالة في توزيع الخدمة، ومعركة تحويل هذا المركز من “خبر افتتاح” إلى “حقيقة يومية” تنقذ الأرواح. فالمواطن الذي سمع خبر الافتتاح، سينتظر غداً أن يجد سريراً لوالده حين تداهمه الأزمة. وعندها فقط، يكتمل معنى “تطبيع الحياة”.




