التقارير

والي الجزيرة يخطّ بمداد العزم أولى سطور التعافي: الجزيرة تنهض من تحت الركام

تقرير : معاوية السقا

مدني، تلك الحاضرة التي كانت تختال خضرةً ونماءً على ضفاف النيل الأزرق، استيقظت ذات جرح على صوت المعاول لا تزرع، بل تهدم. حين أثقلتها الحرب بجراحها، وتعثرت خطى مشروعها العتيق، وتكسرت مصابيحها، وعطشت مآقيها. وفي خضم هذا المشهد القاتم، تسلّم الطاهر إبراهيم الخير أمانة الولاية، فكان أول عهده أن يعلن أن مداد المرحلة المقبلة لن يكون إلا للبناء، وأن الجزيرة التي عُرفت بالعطاء، لا يليق بها أن تطيل المكوث تحت الأنقاض.

بدأت الحكاية من حيث ينتهي اليأس. كانت أولى الكلمات التي نطق بها الوالي في قلب مدني الجريحة: “لا راية تُرفع قبل أن يعود الماء إلى الحنفيات، والنور إلى البيوت، والطمأنينة إلى القلوب”. فانطلق العمل من الخاصرة التي توجع الناس: العطش والظلام. ورش الصيانة تسابقت نحو محطات المياه التي سكت هديرها، والمحولات التي صمت أزيزها. فعاد التيار يتسلل على استحياء إلى أحياء كانت غارقة في العتمة، وارتوى ظمأ الأزقة التي جفّت حنفياتها. لم تكن عودةً كاملة، لكنها كانت بمثابة أول الغيث، وإشارة بأن عجلة التعافي قد دارت.

ولأن الجزيرة لا تُذكر إلا ويُذكر معها مشروعها الذي كان سلة غذاء السودان، فقد جعل الوالي من إحيائه معركةً لا تقل قداسة عن معركة الأمن. فالقنوات التي ابتلعتها الحشائش والأطماء، بدأت الآليات تنهش طميها، والسواعد تشق طريق الماء فيها من جديد. كان النداء واضحاً: “هذا المشروع أمن قومي، وحياته من حياة الناس”. وعلى إثره، مُدت جسور التنسيق مع البنك الزراعي لتعود التقاوي والسماد إلى يد المزارع الذي أرهقته الديون والخوف، وكأنها رسالة تقول له: ازرع، فالأرض لا تخون من يزرعها.

أما المستشفيات التي أنَّت جدرانها وخلت أسرّتها، فقد بدأت فيها حركة ترميم خجولة لكنها صادقة. مستشفى مدني التعليمي، ذلك الصرح الذي كان ملاذاً للمرضى، سمعت أروقته من جديد وقع خطى المرممين. والمراكز الصحية في أطراف المحليات بدأت تفتح أبوابها لتضمد جراحاً أثخنتها الحرب والبعد. والوالي يمد يده إلى المنظمات الدولية، لا مستجدياً، بل شريكاً يقول: “مخازن الدواء عندنا فرغت، لكن عزيمتنا ما فرغت”.

وفي دروب مدني والحصاحيصا والكاملين، علت أصوات معاول النظافة. فالحرب لا تترك خلفها الرصاص فقط، بل تترك الأوبئة كامنة في ركامها. لذا كانت حملات إصحاح البيئة وإزالة الأنقاض تجري كسباق مع خريف يوشك أن يطرق الأبواب. والطرق التي قطعتها المتاريس، عادت الجسور تصل ما انقطع منها، لتسير عليها قوافل العائدين والإغاثة، وكأن الولاية تستعيد شرايينها واحداً تلو الآخر.

غير أن الطاهر إبراهيم الخير يدرك أن لا إعمار يعلو صوته فوق صوت الرصاص. لذلك، كان الأمن هو السطر الأول في كتابه. فنشر الطمأنينة عبر القوات المشتركة، وأعاد فتح أقسام الشرطة والنيابات، ثم التفت إلى أهله النازحين يخاطبهم بلسان الواثق: “عودوا إلى دياركم، فالجزيرة لا تكتمل إلا بكم”. لم يعدهم بالجنة، لكنه وعدهم بالشروع في تهيئة أسباب الحياة الكريمة.

وفي كل ذلك، لم يغفل الوالي أن الإعمار ليس قراراً يصدر من مكتب، بل هو نفيرٌ يجب أن يشترك فيه الجميع. فدعا أبناء الجزيرة في المهاجر والمدن إلى أن يكونوا شركاء في البناء، وشكّل اللجان الشعبية لتكون عينه التي ترى حجم الخراب، ويده التي توصل العون إلى مستحقيه. والتقى وفود المنظمات لا ليستقبل المعونات فحسب، بل ليوجهها نحو الجرح الحقيقي: الماء والدواء والتعليم.

إن الطريق لا يزال طويلاً، والوالي نفسه لا ينكر ذلك. فالتمويل شحيح، والآليات التي نهبتها الحرب لم تعوض بعد، والكادر البشري الذي نزح يترك فراغاً موجعاً، والأرض نفسها لا تزال تخبئ في جوفها مخلفات الموت التي تحتاج إلى من يمسحها بحذر. لكن ما بدأ في الجزيرة اليوم هو أكبر من مجرد صيانة محول أو فتح طريق. إنه استعادة لروح ولايةٍ علّمت السودان معنى العطاء، وقرارٌ بأن تكون الخضرة القادمة أبهى من كل خريف مضى.

الجزيرة اليوم تحاول أن تنهض. تتعثر مرة وتقوم أخرى. وبين عزم واليها وصبر أهلها، تُكتب فصول حكاية تعافٍ جديدة، حبرها العرق، وشهودها النخيل الذي ما زال واقفاً ينتظر الماء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى