الاقتصادية

سارة صديق تكتب: وزارة المالية بالجزيرة.. حين تخلع ثوب الجباية وتلبس جلباب الصناعة

في ولاية الجزيرة، التي أثقلت الحرب كاهلها، ونهبت محولات كهربائها وكابلاتها، وتوقفت مناطقها الصناعية عن الدوران، ونزح منها ما يقرب من ثمانية آلاف عامل، لم تعد معركة الاقتصاد معركة أرقام صماء في دفتر حسابات، بل تحولت إلى معركة إعادة تعريف جذرية لدور وزارة المالية نفسها. هناك في ود مدني، يقود الأستاذ عاطف محمد إبراهيم أبو شوك، وزير المالية والاقتصاد والقوى العاملة، تحولاً بنيوياً عميقاً، ينقل الوزارة من خزانة تجبي الرسوم إلى مصنع ينتج القيمة.

لقد ورثت الوزارة تركة ثقيلة. اقتصاد ولائي يعيش تحت ضغط ثلاثي خانق: ضغط الحرب وانهيار البنية التحتية وتدمير ممنهج لقطاعي الكهرباء والمياه، وضغط المطالب الاجتماعية المتمثلة في ضرورة سداد مرتبات العاملين ومعالجة ملفات المعاشيين والمتأخرات، وضغط القيود المالية الناجم عن العمل بموازنة طوارئ لعام 2025 دون موارد كافية. في ظل هذا المشهد القاتم، كان لا بد من استراتيجية خروج لا تكتفي بتسيير الأزمات بل تصنع الحلول.

وتبلورت استراتيجية الوزير عاطف أبو شوك على ثلاثة محاور متكاملة. المحور الأول هو الإصلاح المالي والرقمي، عبر تعميم نظام التحصيل الإلكتروني “إيصالي” وتطبيق نظام الخزانة الواحدة، بهدف تحسين التحصيل ومكافحة الفاقد والتجنيب والتهرب، وتوسيع المظلة الإيرادية دون إثقال كاهل المواطن بجبايات جديدة. والمحور الثاني هو الاستثمار المكثف في البنية التحتية الحرجة كشرط مسبق لأي نهضة. والمحور الثالث وهو الأهم، إعادة تشغيل القطاع الصناعي كرافعة أولى للنمو وخلق فرص العمل.

ولم تكن هذه مجرد شعارات نظرية. ففي موازنة 2025 التي أعلنها الوزير وبلغت 190.4 مليار جنيه، رغم أنها موازنة طوارئ، خصصت الوزارة 1.8 مليار جنيه لإعادة تأهيل محطات المياه بالطاقة الشمسية، و1.181 مليار لقطاع الكهرباء الذي تعرض لتدمير واسع من قبل المليشيا، مع العمل الجاد على إنشاء صندوق لإعادة بناء وتعمير ولاية الجزيرة أسوة بالولايات المتأثرة بالحرب، لضمان تدفق الموارد لإعادة الإعمار.

الترجمة العملية لهذه الرؤية تجلت بوضوح في الخامس عشر من أكتوبر 2026، حين قاد والي الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير جولة ميدانية واسعة وغير مسبوقة في المنطقة الصناعية بمدني الكبرى ومنطقة فداسي، برفقة لجنة أمن الولاية ووزير المالية أبو شوك ومفوض الاستثمار أمير يحيى هارون.

هناك، في قلب المصانع، أكد الوالي أن عودة المصانع للإنتاج أولوية قصوى لدعم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استعادة النشاط الصناعي وتعظيم القيمة المضافة للمنتجات الزراعية والحيوانية، وقال عبارته التي أصبحت شعاراً للمرحلة: “لن يهدأ لنا بال حتى تستعيد جميع المصانع نشاطها الإنتاجي”. وأكد أن الجزيرة مؤهلة لقيادة النهضة الاقتصادية الوطنية.

من جانبه، أعلن وزير المالية عاطف أبو شوك التزام وزارته الكامل بتطوير سلاسل القيمة المضافة وتشجيع الاستثمار ودعم القطاع الصناعي وتهيئة البيئة الاستثمارية ومعالجة التحديات. فيما أوضح مفوض الاستثمار أن الولاية وفرت آليات حديثة لتسهيل الاستثمار تشمل مفوضية متخصصة ومنصة إلكترونية وخارطة استثمارية ومحافظ للتمويل.

الجولة شملت نماذج لمصانع تمثل مستقبل الصناعة في الولاية، منها مصنع سودا فوم للمنتجات البلاستيكية والعوازل الذي تبلغ طاقته الإنتاجية ثلاثة آلاف لوح عازل حراري و1750 لوح فايبر يومياً، ويسعى لتوطين صناعة العوازل بالولاية وتقليل الاعتماد على الاستيراد، ومصنع ذات العماد للصناعات الحديدية، ومصنع هارفست ومحطة الحصاد لإعداد وتنقية ومعالجة التقاوي والمحاصيل الذي يدعم القطاع الزراعي مباشرة بتوفير التقاوي المحسنة. وقد طرح أصحاب المصانع تحديات الكهرباء والوقود ووجدوا استجابة فورية بوعود المعالجة.

لكن عبقرية التحول الحقيقية لا تكمن فقط في إعادة تشغيل القديم، بل في ابتكار الجديد الذي يعالج جذر المشكلة. وهنا يبرز مشروع مركز الجزيرة لمدخلات الإنتاج الزراعي والحيواني وصناعة الأعلاف في محلية الكاملين على مساحة 500 فدان، كأحد أهم مشاريع وزارة المالية والاستثمار.

المشروع الذي كشف عنه مفوض الاستثمار بتوجيه مباشر من الوزير أبو شوك، وُصف بدقة بأنه “منصة إمداد وطنية وليس مستودعاً تجارياً”. فلسفة الوزير هنا ثورية: لسنوات كانت أزمة الزراعة في السودان ليست في الأرض ولا في المزارع، بل في المدخل. اليوريا تأتي متأخرة، والداب غالٍ. فبدلاً من أن تنتظر المالية شكوى المزارع، قررت أن تصبح هي من يوفر السماد.

واختيار محلية الكاملين شمال الجزيرة لم يكن عشوائياً، بل كان اختياراً استراتيجياً يدل على عقل اقتصادي يقرأ الخريطة. الكاملين هي القلب، منها تمد شرياناً إلى مشروع الجزيرة والمناقل، وشرياناً إلى الرهد، وآخر إلى حلفا الجديدة ورابعاً إلى سنار وخامساً إلى القضارف. موقع يقلل تكلفة النقل التي كانت تلتهم 30% من سعر الجوال، ويجعل السماد بجانب الحقل لا خلف البحر.

ولم تتوقف الطموحات عند هذا الحد. فقد أكد وزير المالية جاهزية الجزيرة للاستثمار، مشيراً إلى اكتمال تهيئة الأراضي الاستثمارية وتيسير الإجراءات والاستقرار الأمني، بما يتيح فرصاً في القطاعات الزراعية والحيوانية والصناعات التحويلية والبتروكيماويات. وكشف مفوض الاستثمار أن الخطة الخمسية 2026-2030 تستهدف التحول من الاستثمار التقليدي إلى الصناعات المتخصصة، عبر إنشاء مدن للبتروكيماويات والصناعات الدوائية والآليات الزراعية والغزل والنسيج والأجهزة الكهربائية والإلكترونية، إلى جانب مدينة معتوق الصناعية ومدينة للصناعات الصغيرة. بل إن الولاية طرحت مشروع مطار الجزيرة الذي تقدمت لتنفيذه تسع شركات، وخطط لإنشاء عشر مناطق صناعية متخصصة.

وقد أثمر هذا الانفتاح عن اهتمام كبير، حيث بحثت الولاية مع وفد الصندوق الخاص للتأمين الاجتماعي بالقوات المسلحة برئاسة الفريق خالد الشامي، والذي يضم أكثر من 16 شركة ومصرفاً، فرص التوسع الاستثماري والمشاركة في إعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية.

وفي محور إدارة المال العام والانضباط، تجلت جهود الوزارة في الإيفاء بالتزاماتها رغم الظروف، حيث وجه الوزير أبو شوك بالشروع فوراً في صرف متبقي متأخرات المعلمين لعام 2023، وترأس اجتماع مجلس التدريب الولائي مؤكداً أن “ولاية الجزيرة استطاعت أن تعود رغم قلة الإمكانيات وحجم الدمار وكان للتدريب جهد مقدر في هذه العودة”.

إنها تجربة تثبت أن الوزير الذي يحسب الأرقام قد ينجح في إدارة دفتر، لكن الوزير الذي يزرع الأرقام هو من يصنع نهضة ولاية بأكملها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى