
خلف أسوار وزارة المالية بمدني، لا تدور معركة أرقام صماء في دفتر حسابات، بل تدور معركة وجود. ولاية خرجت من الحرب مثقلة، نُهبت محولاتها، وسُرقت كابلاتها، وتوقف 1750 مصنعاً من مصانعها دفعة واحدة، ونزح منها آلاف العمال. في قلب هذا المشهد، لم يعد دور وزارة المالية أن تكون خزنة تجبي، بل أن تكون مصنعاً ينتج. هذه هي الفلسفة التي يقودها الأستاذ عاطف محمد إبراهيم أبو شوك، وزير المالية والاقتصاد والقوى العاملة.
ما كشفه تحقيق “المحور” أن الوزارة لم تعد تعمل بعقلية الموظف، بل بعقلية المؤسس. الخطة التي وضعها الوزير بالتنسيق مع مفوض الاستثمار أمير يحيى هارون ترتكز على أربعة أركان لم تجتمع من قبل. الركن الأول هو المفوضية، بيت واحد للاستثمار، انتهى معه زمن دوران المستثمر بين المالية والأراضي والصناعة والمحليات، اليوم هناك عنوان واحد. والركن الثاني هو المنصة الإلكترونية، رقمنة كاملة للإجراءات ضمن مشروع التحول الرقمي بنظام “إيصالي” والخزانة الواحدة، الذي قضى على الفاقد والتجنيب والتهرب. أما الركن الثالث فهو الخارطة الاستثمارية، التي لا تترك المستثمر تائهاً، بل تقول له بوضوح: مصنع الزيوت في المناقل حيث السمسم، ومصنع الألبان في الحصاحيصا حيث الأبقار. ويبقى الركن الرابع والأخطر وهو محافظ التمويل، وهنا كانت عقدة كل استثمار في السودان، اليوم تعلن الولاية عن محفظة تمويل صناعي تتجاوز 50 مليار جنيه بالشراكة مع بنك السودان وبنك أم درمان الوطني، لتمويل أبناء الولاية لا المستثمر الوافد فقط.
الأرقام تكشف حجم التحول، موازنة 2025 كانت موازنة طوارئ بحجم 190.4 مليار جنيه، خصص منها 1.8 مليار جنيه لإعادة تأهيل محطات المياه بالطاقة الشمسية و 1.181 مليار لقطاع الكهرباء. لكن النتيجة في موازنة 2026 كانت صادمة، إنجاز أكثر من 6100 مشروع للطاقة الشمسية، وشراء أكثر من 300 محول للمناطق الصناعية في مارنجان والحصاحيصا، بتأكيد من والي الجزيرة الطاهر إبراهيم الخير نفسه.
وفي 15 أكتوبر 2026، قاد الوالي جولة ميدانية غير مسبوقة في المنطقة الصناعية بمدني الكبرى وفداسي، لم تكن جولة تفقدية بل كانت رسالة طمأنة. داخل مصنع سودا فوم الذي ينتج 3000 لوح عازل حراري و1750 لوح فايبر يومياً، ومصنع ذات العماد الحديدي، سمع المسؤولون شكاوى الكهرباء والوقود وردوا بوعد فوري بالمعالجة. هناك أطلق الوالي عبارته التي أصبحت شعار المرحلة: “لن يهدأ لنا بال حتى تستعيد جميع المصانع نشاطها الإنتاجي”.
وقبل 3 أيام فقط، في 28 أكتوبر 2026، أعلن الوالي التوجه الأكبر، إنشاء مدن صناعية متخصصة في البتروكيميائيات والصناعات الدوائية والتصنيع الزراعي. الهدف واضح، تحويل الجزيرة من ولاية تبيع ذهبها تراباً، تصدر القطن خاماً والفول خاماً، إلى ولاية تصنع القيمة المضافة. واقترن ذلك بتحرك عاجل لتشغيل مصنع سكر الجنيد، وضخ المياه في بئره، كشريان حياة للمزارعين.
اليوم، أعيد تشغيل 300 مصنع من أصل المتضرر، والعمل جارٍ على إعداد موازنة 2027 وفق أسس علمية مع تعديل قانون قسمة الموارد واستحداث مواعين إيرادية جديدة. ما يحدث خلف أسوار المالية بمدني ليس مجرد نشاط إداري، بل هو انتقال تاريخي من عقلية الجباية إلى عقلية الصناعة.




