
*(1)*
حكومة الحكم الذاتي 1953 برئاسة إسماعيل الأزهري.. والتي تحولت إلى أول حكومة وطنية برئاسته أيضاً 1956.. ثم حكومة عبدالله خليل 1957.. كلها حكومات حزبية أعقبت الحكومة الاستعمارية.. حكمت البلاد منذ 1953 إلى نوفمبر 1958.. ثلاثة أعوام قبل الاستقلال وعامين بعده على وجه التقريب.. ثم حكومة إبراهيم عبود العسكرية نوفمبر 1958 والتي حكمت ست سنوات.
هذه الحكومات الوطنية من حزبية إلى عسكرية حافظت على شكل الدولة التي تركها الإنجليز محافظة كاملة.. أقصد بالدولة الجهاز البيروقراطي.. أكثر تحديداً جهاز الخدمة العامة بشقيه المدني والعسكري.
فجهاز الخدمة المدنية.. بكل مسمياته الإدارية والخدمية.. كل لوائح الخدمة المدنية.. التعيين.. الترقي.. الفصل.. المعاش كلها كما تركها الإنجليز.. الجهاز التعليمي والجهاز الصحي.. طريقة توزيع المؤسسات التعليمية والصحية وكافة المؤسسات الخدمية ظلت على ذات أسس الخواجات.. حتى الجيش في طريقة الالتحاق به والتدرج فيه والفصل منه.. كل هذا ظل كما هو.. الحكم المحلي ظل كما هو.. بعبارة جامعة الذي تغير هو شكل الحكومة.. لكن الدولة ظلت كما هي.. بعبارة ثالثة من الخفير إلى وكيل الوزارة.. ومن أصغر جندي إلى أعلى رتبة.. ظل قائماً على ذات الأسس التي تركها الإنجليز.. الوزير كمنصب سياسي لا يتدخل في هذه الأسس والضوابط.
السياسات الاقتصادية هي الأخرى ظلت كما هي.. الدولة تتولى التخطيط الاقتصادي المركزي.. والبنيات الأساسية.. والمشاريع الكبرى.. بينما القطاع الخاص يتحرك بحرية في المشاريع الصغيرة والتجارة الخارجية والداخلية.. رأس المال الأجنبي المشتبك مع رأس المال الوطني يمضي بكل حرية كما تركه الإنجليز.. بنك باركليز.. بنك ناشيونال آند قراندليز.. وبنك مصر والبنك الإثيوبي وكل البنوك الأجنبية.. البيوتات التجارية.. جلاتلي هانكي.. وميتشيل كوتس.. سودان مركنتايل.. والصناعات الكيماوية الإمبراطورية (ICI) وشركة أسمنت بورتلاند.. القطاع العام والقطاع الخاص يمضيان في تناغم.. على طريقة (خطوة خطوة يا حبيبي نسير / وتاني خطوة نبني عش صغير) شرحبيل ياااخ.
*(2)*
ثورة أكتوبر في جوهرها ثورة شعبية أرادت أن تخلص البلاد من حكم عسكري وتعيده للمدنيين وهذا ما حدث.. إذ بعد فترة انتقالية لمدة عام واحد.. جرت الانتخابات وعادت الأحزاب.. لكن التغيير الأعمق والذي لم يركز عليه دارسو السياسة والمؤرخون هو ما أحدثته ثورة أكتوبر في جهاز الدولة.
فشعار “التطهير واجب وطني”.. و”لا زعامة للقدامى” أحدث هزة كبيرة في أركان الدولة.. إذ ضرب بلوائح الخدمة المدنية عرض الحائط.. فكان الفصل لأسباب سياسية.. وبالتالي حدثت بعض التعيينات في الخدمة المدنية بروافع سياسية.. وظائف كبيرة أُخليت نتيجة الانتماء السياسي.. نعم كانت الأعداد التي تأثرت بهذه المتغيرات محدودة جداً.. ولكن مجرد حدوثها قد فتح الباب للتدخل في جهاز الدولة.. كالشرخ في الجدار الذي اتسع تدريجياً فيما بعد.
فذات الباب الذي اتسع في حكومة مايو.. إذ من أول أيامها فصلت أساتذة جامعات وقضاة وكبار ضباط في الجيش.. تم هذا باسم تطهير جهاز الدولة من العناصر الرجعية.. ثم جاءت الإنقاذ فتوسعت توسعاً كبيراً في تدخل الحكومة في جهاز الدولة.. تحت مسمى الصالح العام.. فلم تكتفِ بفصل القيادات بل نزلت حتى القواعد.. وبسياسة التمكين قدمت الولاء السياسي على الكفاءة المهنية.
أما اقتصادياً فقد أظهرت أكتوبر الشعارات الاشتراكية ووضعتها قيد التطبيق.. وأدخلت كل الأحزاب التوجه الاشتراكي في برامجها.. من اشتراكية علمية.. إلى اشتراكية إسلامية.. ومن اشتراكية عربية إلى اشتراكية أفريقية.. فتم حصار رأس المال الأجنبي.. ثم جاءت حكومة مايو.. وبدعوى تنفيذ شعارات أكتوبر.. قامت بعملية تأميم ومصادرات واسعة لرأس المال الأجنبي والمحلي.. فكل المؤسسات المالية المذكورة في الفقرة (1) أعلاه.. مع أخريات بعضها وطنية.. قامت حكومة مايو بمصادرتها تنفيذاً لشعارات أكتوبر.. وبهذا أعلنت مطلق السيادة للقطاع العام لدرجة أن الدولة أخذت تدير محلات تجارية لا تعدو أن تكون بقالة.. (أقسم بالله وأنا تلميذ في المرحلة الوسطى اشتريت جلابية من محل يسمى الجوهرة بشارع الجمهورية في الخرطوم كانت تديره الدولة بعد أن صادرته من صاحبه رجل الأعمال السوداني).. ومن يومها انكمش رأس المال الأجنبي عامة والأوروبي خاصة عن السودان وإلى يوم الناس هذا.. رغم المحاولات المستميتة لجذبه من كافة الأنظمة المتعاقبة.. لقد كانت بمثابة (لدغة الثعبان التي تخوف من مجر الحبل).
*(3)*
إن التحولات المذكورة أعلاه لم تكن بالهينة.. لقد أثرت على مسيرة البلاد تأثيراً كبيراً.. وكانت هي الخروج الأكبر على النمط الاستعماري فيما يتعلق بإدارة مرافق الدولة.. وتوجهاتها الاقتصادية.. لا بل والفكرية والسياسية.. فالسؤال الذي يطرح نفسه هل هذا الذي حدث كان من أهداف الثورة أم حدث انحراف في مسيرتها؟.. بالعبارة المتداولة هل تمت سرقة الثورة؟
الإجابة الموضوعية تقول.. إن الثورة فتحت باب التغيير بهزها لأركان القديم.. وبعد ذلك “كل حشاش ملأ شبكته”.. فالعناصر اليسارية كانت الأقوى تنظيماً ساعة اندلاع الثورة فملأت شبكتها.. ثم فيما بعد تحول ميزان القوة للعناصر الإسلامية فملأت شبكتها.. طبعاً هناك ملء حده السدادة وهناك ملء لمن أدفق وغرق.. وبهذا تكون ثورة أكتوبر نقطة تحول في تاريخ السودان السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ومع كل الذي تقدم يجب ألا نظلم ثوار أكتوبر والذين قاموا بها.. فالذين خرجوا للشارع يومها وتعرضوا لهراوات البوليس.. وبمبانه.. ورصاصه.. كانوا يريدون حكماً مدنياً ديمقراطياً.. كانوا يريدون دولة قانون.. فهم ليسوا مسؤولين عما حدث بعد أن أنجزوا مهمتهم.. وبالتالي لا بد أن نحفظ لهم حقهم وصدق نواياهم.. ونحيي ذكرى ثورتهم باعتبارها منجزاً سودانياً.. ومحطة من محطات التاريخ السوداني الهامة.
*كسرة..*
عزيزي القارئ خلينا نتفق على أن ثورة أكتوبر كانت بمثابة تأشيرة الخروج من الإرث الاستعماري الذي بناه الخواجة طوبة طوبة في 56 سنة.. بعد داك ما في مانع نختلف في عما إذا كان ذلك الخروج كويس ولا كعب.




