عندما تفشل السلطة في توفير الماء والدواء، تلجأ إلى الشعارات. وعندما تعجز عن إدارة الخدمات، تصنع حملة اسمها “اقبض مقمل”. هكذا تختزل مدينة الضعين اليوم مأساة دارفور في جملة ساخرة، بينما الحقيقة أعمق من مجرد حشرة.
غزو القمل.. وانهيار الصحة
تشهد مدينة الضعين بولاية شرق دارفور ومدن الولاية انتشاراً واسعاً لحشرة القمل وسط أفراد المليشيا. المشهد لم يعد فردياً، بل تحول إلى ظاهرة صحية تثير مخاوف من تفشي أمراض والتهابات جلدية مرتبطة مباشرة بسوء النظافة وتردي الأوضاع البيئية.
وبحسب متداولين، أطلقت المليشيا حملة تحت شعار “اقبض مقمل” لمكافحة الظاهرة. شعار يبدو ساخراً للمواطن، لكنه مرآة صادمة لواقع الإدارة: لا مستشفيات، لا مياه نظيفة، لا صابون.. فالحل الوحيد هو “اقبض مقمل” بيدك.
الأخطر من القمل.. الفيروسات
المصيبة لا تتوقف عند القمل. تتزايد الشكاوى من انتشار فيروس نقص المناعة المكتسب HIV والكبد الوبائي بين عناصر المليشيا. وهنا يصبح “المقمل” مجرد العرض، والمرض الحقي هو غياب الدولة.
حين تتحول الثكنات إلى بؤر أوبئة، وحين يصبح الجندي نفسه ناقلاً للمرض بدل أن يكون حامياً، نعرف أن الأزمة ليست في الحشرة.. بل في النظام.
دارفور.. بين الإهمال والسخرية
“اقبض مقمل” ليست حملة صحية. هي اعتراف بالعجز. اعتراف بأن لا قدرة على توفير أبسط مقومات الحياة: نظافة، رعاية، وقاية. فاختارت المليشيا أن تسخر من الوجع بدل أن تعالجه.
دارفور التي عانت الحروب والتهجير، تُبتلى اليوم بغزو القمل. ومن مفارقات الوجع أن المواطن الذي نجا من الرصاص، يواجه اليوم خطر إبرة ملوثة أو عدوى تنتقل بسبب تكدس بلا ماء ولا دواء.
الخلاصة.
لا تُهزم الدول بالقمل، لكنها تسقط حين يصبح القمل عنوان إدارتها. “اقبض مقمل” شعار يضحك، لكن خلفه دموع مدينة، وخوف أمهات، وأجساد منهكة بلا دواء.
والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا عجزت المليشيا عن محاربة قملة.. فكيف ستحكم إقليماً كاملاً؟




