المجتمع

ريم يونس تكتب : المراهقة بعد الأربعين.. أزمة منتصف العمر

عندما يصل الرجل أو المرأة إلى الأربعين، يفترض أن يكون قد عبر جسر التهور إلى ضفة الوقار. لكن ما يحدث مع كثيرين اليوم هو العكس تماماً: مراهقة متأخرة، يغيب فيها الوقار، ويسود الاكتئاب، ويعلو صوت حيوية بائسة تبحث عن إثبات الذات في غير موضعها.

أزمة منتصف العمر ليست مرضاً، لكنها لحظة مواجهة قاسية. فجأة يدرك الإنسان أن نصف العمر مضى، وأن كثيراً من الأحلام لم تتحقق، وأن الجسد بدأ يرسل إشارات الانحدار. هنا ينقسم الناس إلى فريقين: فريق يتصالح مع العمر فيزداد حكمة وهدوءاً، وفريق يهرب إلى الأمام فيرتدي قناع الشباب ويتصرف تصرفات لا تليق بعمره ولا بمقامه.

تبدأ الأعراض بصخب: رجل أربعيني يطلق زوجته ليتزوج فتاة في عمر ابنته، أو امرأة تهجر بيتها وتفاصيلها بحثاً عن “تعويض” ضاع منها. تظهر على السطح هوايات مفاجئة، إنفاق بلا حساب، علاقات مراهقة، وتمرد على كل ما هو راسخ. وفي الداخل يقبع اكتئاب صامت، لأن ما يفعله الشخص ليس قناعة، بل هروب من سؤال موجع: هل هذا كل ما وصلت إليه؟

المشكلة أن هذه “المراهقة” لا تشبه مراهقة الستة عشر. مراهقة الشباب فيها طاقة مستقبل، أما مراهقة الأربعين ففيها إنكار ماضٍ وخوف من مستقبل. ولذلك تكون كلفها باهظة: بيوت تتهدم، أبناء يتوهون، وسمعة عمر بناه الإنسان في عقود تنهار في شهور.

والوقار لا يعني أن يصبح الإنسان عجوزاً في الأربعين. الوقار يعني أن تعرف أن الحيوية الحقيقية بعد الأربعين هي في الإنجاز لا في الاستعراض، في العمق لا في الضجيج، في ترميم ما تبقى من العمر لا في تمزيقه. فالعمر ليس عيباً، والشيب ليس نهاية. العيب أن تعيش نصفك الثاني وأنت تحاول إثبات أنك لم تكبر.

من تجاوز الأربعين ولم يجد نفسه، فالمشكلة ليست في العمر، بل في أنه نسي أن يسأل نفسه: ماذا أريد أن أكون حين أبلغ الستين؟ الإجابة على هذا السؤال وحدها هي التي تحول أزمة منتصف العمر من انحدار إلى نضج، ومن اكتئاب إلى حكمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى