
لم تكن وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب تعلم وهي تدلف إلى مكتبها الوزاري في بورتسودان، حاملة ملفات مثقلة بهموم الصناعة والتجارة في بلد أنهكته الحرب، أن الحرب الحقيقية لن تكون مع المهربين ولا مع مافيا الأسواق ولا مع أزمة سعر الصرف، بل ستكون حرباً عليها هي، على شخصها، على كونها امرأة تجرأت وجلست على كرسي كان حكراً على الرجال.
الحرب على محاسن أخذت أشكالاً وألواناً عديدة، حرب لا شرف فيها ولا أخلاق، حرب استخدمت فيها كل الأسلحة الرخيصة. بدأت بالهمس في المكاتب المغلقة، ثم تحولت إلى شائعات في قروبات الواتساب، ثم إلى منشورات مدفوعة القيمة على فيسبوك، ثم إلى محاولة اغتيال كاملة للشخصية وحرق معنوي ممنهج.
مرة يقولون إنها فصلت الموظفين، ومرة يقولون إنها باعت الوزارة، ومرة يقولون إنها تتحكم في الترقيات بمزاجها، وكلما صدر نفي رسمي من الوزارة ومن مجلس الوزراء ومن ديوان شؤون الخدمة، خرجت شائعة جديدة أكثر قبحاً من أختها.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه بشجاعة ودون مواربة: هل لو كان وزير الصناعة والتجارة رجلاً، هل كان سيتعرض لكل هذا الحريق؟ الجواب المؤلم هو لا.
نحن في مجتمع لا يزال جزء كبير منه، رغم كل شعارات الثورة والمدنية، يرى أن مكان المرأة الطبيعي هو البيت، وأنها إذا خرجت للعمل العام فيجب أن تكون سكرتيرة أو معلمة، أما أن تكون وزيرة تملك سلطة التوقيع وإصدار القرار والجلوس مع رئيس مجلس السيادة، فهذا كثير على عقول لا تزال أسيرة لذكوريتها المريضة.
محاسن علي يعقوب لم تأتِ إلى الوزارة عبر فستان سهرة ولا عبر واسطة اجتماعية، المرأة جاءت بسيرتها الذاتية، بعملها الطويل في مؤسسات الدولة، بخبرتها التي يعرفها القاصي والداني. لكنهم لا يريدون مناقشة خبرتها، يريدون مناقشة جنسها.
إن ما يحدث لمحاسن هو النموذج الصارخ لما تتعرض له كل امرأة ناجحة في السودان. يتم تجريدها من كل إنجازها، ويتم اختزالها في كونها “مرة”. وإذا اختلفوا معها في الرأي، لا يناقشون رأيها، بل يطعنون في شرفها المهني، في أخلاقها، في نواياها.
لقد تابعنا التصريح الصحفي الأخير لوزارة الصناعة والتجارة، وهو تصريح قانوني مكتمل الأركان، يوضح بجلاء أن الوزيرة لا تملك سلطة الفصل منفردة، وأن القانون هو الذي يحكم، وأن قرينة البراءة هي الأصل. هذا تصريح دولة، لا تصريح امرأة تدافع عن نفسها. لكن هل قرأه أحد؟ هل توقف عنده أحد؟ لا، لأن الهدف لم يكن معرفة الحقيقة، بل كان الهدف هو الحرق.
يريدونها أن تفشل، ليس لأنها فشلت، بل لأن نجاحها سيثبت أن المرأة قادرة على إدارة أصعب الوزارات في أحلك الظروف. ونجاحها سيفتح الباب لعشرات المحاسن الأخريات ليجلسن على كراسي الوزارات، وهذا ما يرعب تجار السياسة الذكورية.
يا سادة، الخلاف مع الوزير أو الوزيرة في السياسات حق مشروع، بل هو واجب وطني. انتقدوا قراراتها الاقتصادية، ناقشوا سياسات الاستيراد، حاسبوها على سعر السكر والدقيق، هذا هو النقد البناء. أما أن تتحول المعركة إلى مطبخ الشائعات وإلى حفرة الاغتيال المعنوي، فهذا هو الفشل بعينه.
محاسن علي يعقوب اليوم ليست وزيرة فقط، هي رمز لمعركة أكبر، معركة وجود المرأة السودانية في مراكز القرار. إذا انكسرت محاسن اليوم بهذه الطريقة الرخيصة، فإن الرسالة التي ستصل لكل فتاة سودانية تحلم بأن تكون وزيرة أو والية أو رئيسة وزراء هي: لا تحلمي، فالمحرقة تنتظرك.
اتركوا المرأة تعمل، حاسبوها بالقانون لا بالشائعة، وبالأرقام لا بالتنمر، وبالمستندات لا بقروبات الواتساب.
فالتاريخ لن يذكر من حاك الشائعة، لكنه سيذكر من صمدت رغم الحريق.




