*(1)*
أسوأ ما يحدث الآن هو الارتباك والاضطراب البائن في إجراءات وقرارات *وزارة الطاقة* بشأن استيراد وتوفير المشتقات النفطية. الوزارة تتنقل بين الخطوة ونقيضها في أوقات متقاربة لا تكاد تكفي لتقييم أيّة تجربة، الأخطر في الأمر أن التجريب المستمر وبقرارات متعجلة ومتضاربة يفقد الوزارة ثقة المتعاملين معها في دوائر تجارة النفط وهم يتعرضون للخسارة تلو الأخرى.
*(2)*
آخر نموذج لقرارات الوزارة الخاطئة “وصفاً ومحتوى” كان ما أسمته بـ *”فك احتكار وقود الطائرات والفيرنس”* هذا القرار الذي فتح أمام الدولة سيل اتهامات جرت الكثير من التساؤلات حول الجهة المحتكرة لسلعتين خطيرتين هما *وقود الطائرات (JET A-1)* والفيرنس (Fuel Oil).
بعيداً عن تخبّط الوزارة فإن ما كان متبعاً في استيراد هاتين السلعتين لم يكن احتكاراً مثلما صوّره قرار الوزارة التي جنت على نفسها والدولة، ولا أدري ما الذي جعلها “تفقأ عينها بيدها” واضعة الحكومة تحت شُبهة الفساد والمحسوبية.
*(3)*
الوزارة أصدرت مؤخراً منشوراً صحفياً حمل قراراً أعلنت فيه *فك الاحتكار* وفتح الباب أمام جميع الشركات، بمنحها الفرصة لاستيراد منتجي الجت A1 والفيرنس، تأكيداً على مبدأ الشفافية وإتاحة الفرص العادلة في سوق المحروقات مثلما قال المنشور.
وبقراءة سريعة لملف الشركة التي كانت تعمل في استيراد السلعتين *”بترو نور”* نلحظ بوضوح أن الأمر لم يكن فيه شبهة احتكار. الحقيقة أن شروط الوزارة منحت أية شركة تملك القدرة والكفاءة حق الاستيراد.. فأين الاحتكار؟ شركة *بترونور* التي نالت جزاء سنمار الآن كانت صاحبة أقل عرض تنافسي بعد أن قدم الآخرون أسعاراً عالية.
*(4)*
لمصلحة من تُحارب الشركات التي تقدّم عطاءات بأسعار أقل من بقية المنافسين إدراكاً منها لخطورة المعاناة التي يواجهها المواطن والدولة في هذه الظروف الاقتصادية الحرجة؟!
وبالمنطق البسيط تقول المستندات إن شركات قدمت أسعاراً عالية للسلعتين تتراوح ما بين 2.00 و 2.50 دولار للتر *وقود الطائرات*، بينما عرضت *”بترونور”* لتكسب المنافسة مبلغ 0.88 دولار للتر.. وفي *وقود الفيرنس*، وصل عرض إحدى الشركات 88 مليار جنيه للشحنة، مقابل 55 مليار جنيه من *بترونور*.
ما نكتبه اليوم ليس دفاعاً عن *بترونور* بقدر ما هو بحث عن الأسباب التي جعلت الوزارة تتعامل مع النهج الوطني لشركة عانت ما عانت في سبيل سد نقص حاجة السودان بينما كانت النيران مشتعلة.
*(5)*
السر وراء الأسعار الهادئة لـ *بترونور* أنها وبما تملك من مؤهلات وقدرات تتعامل وبشكل مباشر مع موردين كبار في أسواق النفط العالمية بعيداً عن السماسرة والوسطاء و”شغل الثلاث ورقات”، وبما يمكنها من تلبية احتياجات السوق بأسعار لا مجال فيها للعمولات والأساليب الفاسدة لكنها تُحارب وتتهم بأنها تحتكر الاستيراد.
لا أعلم كذلك إلى أين سيصل الحال بأسعار السلعتين بعد قرار *وزارة النفط* لكن لا بد من إنصاف *بترونور* والتأكيد على أن التعامل معها تم بطريقة غير لائقة:
أولاً: تقدم أسعاراً أقل بكثير من شركات أخرى.. وتوفر غاز الطائرات والفيرنس بلا وسطاء أو عمولات.
ثانياً: تنفيذها لشحنات استراتيجية في ظروف حرجة بينما نيران المعارك مشتعلة.
ثالثاً: تحملها للاستهداف بواسطة مُسيّرات المليشيا وقد كلفها هذا الاعتداء خسارة أكثر من عشرة ملايين لتر من الوقود.
رابعاً: تحمّلها لتقلّبات سوق الدولار وقفزاته المتتالية وبيروقراطية السداد.
خامساً: إدراكها لأهمية إسناد السيادة الوطنية والاستجابة لها بتوفير سلع استراتيجية حافظت على استقرار الدولة.
*(6)*
على كل فقد جنت الوزارة على *بترونور* واتهمتها بما لم تمارسه وجرّت اتهاماً غير حقيقي للدولة بممارسة المحسوبية والاحتكار، واعتدت على حق الوطن في الحصول على السلعتين بأقل سعر.. وفوق هذا وذاك اتخذت قراراً سيعيد إحياء تكتّل السماسرة والشركات الوهمية المحمولة على حقائب “السمسونايد”..
فالقرار الجديد يفتح الباب أمام الجوكية للاختباء وراء تكتّلات تحت اسم واحد للعبث مجدداً في سلعتين استراتجيتين ومهمتين ينبغي أن تكونا بمنأى عن عبث السماسرة.
*بقلم: محمد عبدالقادر – على كل*




