التقارير

شموخ عمر تكتب : تراجع أسعار السلع بمدني.. هل تنجح عصا الوالي في كسر سطوة الغلاء؟

لم يكن نزول والي الجزيرة *الطاهر إبراهيم الخير* إلى سوق الجملة بود مدني مجرد جولة تفقدية. كان إعلان حرب. حرب على الغلاء الذي أثقل كاهل المواطن، ورسالة مفادها أن أمن المواطن المعيشي “خط أحمر” لا يقبل المساومة. التحرك الميداني الذي قادته حكومة الولاية عبر وزارة المالية وإدارة التجارة، بالشراكة مع المؤسسة التعاونية العسكرية والغرف التجارية، أثمر سريعاً عن نتائج ملموسة على الأرض.

النتيجة الأولى: كسر منحنى الأسعار

الرقم الأبرز الذي خرج به السوق اليوم هو انخفاض جوال السكر زنة 50 كيلو من 410 ألف جنيه إلى 360 ألف جنيه، أي بتراجع 50 ألف جنيه دفعة واحدة. هذا ليس مجرد رقم، بل هو مؤشر نفسي واقتصادي.
المؤشر النفسي أنه كسر حالة الاحتكار والتوقعات بأن الأسعار سترتفع إلى الأبد. والمؤشر الاقتصادي أن آلية العرض والطلب بدأت تعمل لصالح المواطن بعد ضخ السلع عبر مراكز البيع المخفض وتوفير السلال الغذائية للعاملين.
تجار الجملة أنفسهم أكدوا أن منحنى الهبوط سيستمر مع توالي ضخ السلع، وهذا يعني أن الدولة عندما تتدخل كتاجر منافس لا كمراقب فقط، فإنها تستطيع أن تفرض توازناً.

النتيجة الثانية: المواطن يريد حماية دائمة

تفاعل المواطنين مع جولة الوالي يكشف عن عمق الأزمة وذكاء الشارع.
مطالبة المواطن علي عيسى الربح بـ “رسم استراتيجيات حماية دائمة” وإحياء الجمعيات التعاونية، تعني أن الناس لا تريد حلولاً موسمية. مراكز البيع المخفض جيدة، لكن الجمعية التعاونية هي حماية مستدامة.
واقتراح حسن عوض الله بابكر بنشر منافذ بيع متحركة للقرى والأحياء، هو تشخيص دقيق لجوهر المشكلة: الغلاء في الأطراف أشد منه في المركز بسبب تكلفة الترحيل والوسطاء.
أما إشادة ابتسام حسن أحمد بالرقابة المباشرة، فتلخص معادلة بسيطة: السوق بلا رقابة يتحول إلى غابة، والوجود الحكومي في قلب السوق هو الضامن الوحيد لحماية محدودي الدخل وعمال اليومية.

القراءة التحليلية: هل هذا نموذج قابل للاستدامة؟

الخطوة التي قامت بها ولاية الجزيرة مهمة لثلاثة أسباب:
1. *الشراكة الذكية:* لم تعمل الحكومة وحدها، بل مع المؤسسة التعاونية العسكرية والغرف التجارية. هذا يحل أزمة التمويل واللوجستيات.
2. *الاستهداف المباشر:* توفير السلال للعاملين يعني حماية القوة الشرائية للطبقة العاملة التي تستهلك ولا تحتكر.
3. *الضربة الاستباقية:* التدخل قبل انفجار الأسعار وليس بعده.
لكن التحدي الحقيقي ليس في خفض 50 ألف جنيه من جوال السكر، بل في تثبيت هذا الانخفاض. وهذا لن يتم إلا بتحويل مراكز البيع المخفض المؤقتة إلى جمعيات تعاونية دائمة، ومنافذ ثابتة ومتحركة، ورقابة يومية لا ترتبط بجولة الوالي فقط.
ما حدث في ود مدني اليوم هو بداية صحيحة. لكن الحكم على نجاحها لن يكون اليوم، بل بعد شهر، حين نعرف هل عاد سعر السكر إلى 410 أم استقر عند 360 وواصل الهبوط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى