
حين يترك الوالي مكتبه، وينزل بقدميه إلى سوق الجملة في ود مدني، فإنه يقول للناس: رأيت، وسمعت، ولن أترككم للغلاء.
هكذا فعل والي الجزيرة، الأستاذ *الطاهر إبراهيم الخير*. نزل إلى حيث يئن الجيب، وحيث يُوزن السكر بميزان الذهب. قال كلمة واحدة حاسمة: *”أمن المواطن المعيشي خط أحمر”.*
ومن هذه الكلمة، بدأت الحكاية تتغير.
لم يكن وحده. كانت معه وزارة المالية، وإدارة التجارة، والمؤسسة التعاونية العسكرية، والغرف التجارية. تحالفٌ لم يكن هدفه الربح، بل هدفه أن يربح المواطن. فكان القرار: افتحوا مراكز البيع المخفض. وفروا السلال للعاملين. اضخوا السلع حتى يشبع السوق.
والسوق حين يشبع، يتواضع.
وهكذا تراجع جوال السكر زنة 50 كيلو من *410 ألف جنيه إلى 360 ألفاً*. خمسون ألفاً عادت إلى جيب المواطن. خمسون ألفاً تقول إن الدولة حين تحضر، يتراجع الجشع.
التجار أنفسهم في سوق الجملة قالوا: المنحنى سيواصل الهبوط. لأن الوفرة إذا جاءت، كسرت ظهر الاحتكار.
لكن صوت المواطن كان أعمق من صوت السعر.
قال علي عيسى الربح: نريد استراتيجية دائمة، نريد إحياء الجمعيات التعاونية. فالناس لا تريد مسكناً ليوم، بل تريد دواءً لداء.
وقال حسن عوض الله بابكر: خذوا السلع إلى القرى والأحياء، بمنافذ متحركة. فالغلاء في الأطراف أشد وجعاً.
وقالت ابتسام حسن أحمد كلمة تلخص كل شيء: *”نريد الرقابة المباشرة”*. لأن السوق بلا رقيب، يصبح سيفاً على رقاب الفقراء، وعامل اليومية هو أول من يذبح.
ما حدث في ود مدني اليوم ليس مجرد انخفاض سعر.
إنه إحياء لفكرة قديمة نسيها الناس: أن الدولة راعية، لا جابية.
وأن الوالي ليس من يجلس في القصر، بل من يقف في السوق.
وأن أخطر حرب ليست تلك التي في الحدود، بل تلك التي في معاش الناس.
لقد نجحت الجزيرة اليوم في خطوة.
لكن الاختبار الحقيقي ليس اليوم. الاختبار بعد شهر: هل يبقى السكر عند 360؟ هل تتحول مراكز البيع المؤقتة إلى جمعيات دائمة؟ هل تبقى عين الدولة ساهرة في السوق، أم أنها جولة وانتهت؟
ود مدني اليوم أعطت درساً لكل الولايات:
انزلوا إلى الأسواق، ينزل الغلاء.



