مقالات

حاطب ليل .. د عبد اللطيف البوني .. مع وردي في ذكرى ثورة أكتوبر

*(1)*
حكى الفنان محمد وردي أنه في صباح يوم 17 نوفمبر 1958، كان ممتطياً دراجته خارجاً من السجانة حيث كان يسكن، إلى الديم حيث يعمل مدرساً بمدرسة الديم المجلسية (الصغرى) – نظام ثلاث سنوات – فقابله أحد معارفه وأخبره بأن الإذاعة أذاعت خبر انقلاب، وذلك باستلام الجيش للحكم وإعلان انتهاء الحكم الحزبي، فما كان منه إلا أن قام بتأليف وتلحين أنشودة 17 نوفمبر والتي جاء فيها:

_افرح وطني هلل وكبر في يوم الحرية.._
_في 17 بُعثت ثورة.. ثورتنا الشعبية.._
_جيشنا الباسل هب وعلا راية الحرية.._

إلى أن يقول:
_في 17 هب الشعب طرد جلادو.._
_في 17 قالوا الظلم الله لا عادو.._

وقد أصبحت هذه الأنشودة أيقونة لذلك الحكم تبثها الإذاعة صباح مساء، ومما يجدر ذكره هنا أن كلماتها نُسبت لإسماعيل حسن باتفاق معه، فساعتها كان إسماعيل شاعراً مشهوراً ووردي في بداياته.

ذات وردي عندما قامت ثورة 21 أكتوبر 1964، لم يكن من الذين قادوا مظاهراتها فحسب كما فعل عند ترحيل أهالي وادي حلفا، بل كان أكثر الفنانين غناءً لها، ابتداءً من (أصبح الصبح ولا السجن ولا السجان باقٍ) لمحمد الفيتوري، ثم (ولحظة من وسن) لذات الفيتوري، ثم يا ثوار أكتوبر يا صناع المجد.. وكانت الأبرز أكتوبريات محمد المكي إبراهيم:

_باسمك الشعب انتصر_
_حائط السجن انكسر_

وفي أخرى يقول:
_باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغني_
_والحقول اشتعلت قمحاً ووعداً وتمني_

كما غنى للطاهر إبراهيم:
_شعبك يا بلادي أقوى وأكبر_
_مما كان العدو يتصور_

حتى أناشيد وردي الخاصة بالاستقلال (اليوم نرفع راية استقلالنا) و (يقظة شعب) – عرباً نحن حملناها ونوبة / عزم ترهاقا وإيمان العروبة – كلها قيلت في الفترة الأكتوبرية أي بعد ثورة أكتوبر 1964، مما يشي باستمزاج وردي للغناء الوطني.

*(2)*
عندما وقع انقلاب 25 مايو 1969 جيء بوردي إلى الإذاعة، وبالشاعر إبراهيم عبد القيوم، فقدم في ذات اليوم أنشودة (نحن رفاق الشهداء نبايع الثورة والداً وولداً).

ثم قدم فيما بعد لمحجوب شريف:
_في حكايتنا مايو_
_رسم شارتنا مايو_

إلى أن يقول:
_يا جداراً من رصاص_
_ويا حبالاً للقصاص_

ثم قدم لذات محجوب شريف في دويتو مع الفنان محمد ميرغني:
_يا حارسنا وفارسنا / يا بيتنا ومدارسنا_
_كنا زمان نفتش ليك وجيتنا الليلة كايسنا_

كما جاء فيها:
_بيك يا مايو يا سيف الفدا المسلول_
_نشق أعدانا عرض وطول_

ثم عارض وردي مايو معارضة شرسة ودخل سجونها، وبعد أن انجلت في أبريل 1985، قدم وردي أول الأناشيد ترحيباً بثورة أبريل، منها (شرفة التاريخ) لمحمد الفيتوري و (وطنا الباسمك كتبنا ورطنا) لمحجوب شريف.

وقد كان أشهر بيت فيها (في حضرة جلالك يطيب الجلوس / مهذب أمامك يكون الكلام) لمحجوب شريف.. كما راجت عنه (بلا وانجلى).

*(3)*
عندما وقع انقلاب الإنقاذ في يونيو 1989، كان وردي من المعارضين له من يومه الأول، ثم هاجر تاركاً لها السودان، ثم عاد قبيل نهاية الإنقاذ بسنوات وتعايش معها، ولكن المنية عاجلته فانتقل إلى جوار ربه قبل سقوط الإنقاذ بثورة ديسمبر 2019، فلو كان حاضراً لكان أول المغنين لها.

وردي فنان مبدع دون شك، وكل الأناشيد التي ذكرناها أعلاه وجدت تجاوباً وذيوعاً كبيرين، وبغض النظر عن كلماتها، فألحانها كانت في غاية الروعة، فوردي كان منجم ألحان.

وبهذه المناسبة لقد أجريت لقاءً تلفزيونياً ساخناً مع وردي نفسه حول هذه الأناشيد، احتد فيه النقاش ووصلنا فيه مرحلة قطع التسجيل، إن شاء الله سأحكيه في فرصة أخرى.

ولا يعني ما ذكرناه أعلاه أن وردي فنان متقلب وليس مبدئياً، إن ظني فيه غير ذلك تماماً، فما أوردته عنه أردت به الإشارة لتقلب الأوضاع السياسية وتدهورها في السودان، فوردي بحكم أنه فنان أعطاني شواهد مثالية لذلك الزعم الذي ذهبت إليه، فأي نظام حكم جديد يقابل بالترحاب ثم يشيخ فيشيع باللعنات.. فما بكينا.. فالخط البياني للاستقرار السياسي في السودان في حالة انحدار متواصل، أما ثورة أكتوبر في تقديري أنها كانت نقطة انعطاف في ذلك الخط، وهذا ما سأحاول إثباته غداً إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى