مقالات

فاطمة حافظ تكتب : قراءة في قرار محاسن يعقوب.. حين تصبح الحماية الاقتصادية فعل سيادة

قرأت مقال الأستاذ معاوية السقا عن قرار الدكتورة محاسن علي يعقوب، وزيرة الصناعة والتجارة، بإيقاف استيراد السلع غير الضرورية، فوجدت نفسي أمام خطوة تستحق أن تُقرأ بوصفها لحظة وعيٍ متأخرة لكنها ضرورية في إدارة الاقتصاد السوداني.

ما قامت به الوزيرة ليس إجراءً فنياً عابراً لضبط الميزان التجاري، بل هو إعادة تعريف لمعنى الدولة المنتجة. ففي وقتٍ انكفأت فيه السياسات على منطق الاستهلاك السهل والاستيراد المفتوح، جاء القرار ليقول بوضوح: الأولوية لمن ينتج على أرضنا، لمن يشغّل أيادي سودانية، لمن يقف بمصنعه رغم الدخان والخراب.

أعجبني في تحليل السقا تأكيده أن القرار “ليس عداءً للتجارة الخارجية، بل إعادة تعريف لدورها”. وهنا جوهر المسألة. التجارة التي تخدم الإنتاج وتوفر مدخلاته وتوسع طاقته هي تجارة رشيدة. أما التجارة التي تفتح الباب لكل كماليٍ مستورد على حساب المصنع المحلي، فهي تجارة تخنق الوطن بيديه.

لكن نجاح هذا التوجه لا يقاس بالقرار وحده. فالقرار بلا بيئة موازية يتحول إلى ندرة وتضخم. والمواطن لن يصبر على الكمالي إذا لم يرَ منتجاً محلياً بديلاً بجودة مقبولة وسعر عادل. لذلك تقع على عاتق الوزارة مسؤولية مضاعفة: تسهيل التمويل، توفير الطاقة، ضبط المدخلات، ومراقبة السوق حتى لا تتحول الحماية إلى احتكار.

الأهم أن القرار حمل رسالة سياسية رمزية: الدولة تطلب من الجميع التضحية، لكنها تشترط أن تكون التضحية مشتركة وعادلة. لا معنى أن يُطلب من المواطن التخلي عن سلعة مستوردة بينما تُفتح ثغرات التهريب والامتيازات لفئة دون أخرى. صرامة التطبيق هنا هي الضمان الوحيد لاكتساب ثقة الناس.

السؤال الذي طرحه المقال في الختام هو السؤال الحقي للمرحلة: “ماذا نستطيع أن نصنع هنا؟”. الإجابة عليه لن تكون بخطابٍ إنشائي، بل بقدرة المصانع على الوقوف، وبقدرة الدولة على حمايتها بلا انتقائية، وبقدرة المواطن على أن يرى أثر هذا التغيير في رفاهه اليومي.

تحية للدكتورة محاسن على شجاعة القرار. وتحية لكل من يرى أن السيادة الاقتصادية لا تُبنى بالاستيراد، بل بالماكينة التي لا تتوقف في أرض السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى