مقالات

شموخ عمر تكتب : قراءة في صمود مياسم.. حين يصبح الاقتصاد فعل انتماء

قرأت مقال الأستاذ معاوية السقا عن مجموعة مياسم الصناعية، فوجدت نفسي أمام نصّ لا يتحدث عن مصنعٍ ومنتجٍ فحسب، بل عن موقفٍ أخلاقيٍ نادرٍ في زمنٍ اختلطت فيه الأولويات وتقدّمت فيه المصلحة الخاصة على نبض الوطن.

ما فعلته مياسم ليس مجرد إدارة أزمة، بل هو إعادة تعريف لدور رأس المال الوطني. ففي الوقت الذي اختار فيه كثيرون الحقيبة والهروب، اختارت هي الماكينة والصمود. وهذا الفرق بين من ينظر إلى الوطن كسوقٍ للربح، ومن يراه أمانةً لا تُسلّم في الشدائد.

لفتني في المقال تلك الجملة: “لم تكن معركة مياسم معركة ربحٍ وخسارة، بل كانت معركة وجودٍ ووفاء”. وهنا بيت القصيد. فالصناعة الوطنية إذا لم تنحز للمواطن وقت الجوع والعطش، فمتى تنحاز؟ وإذا لم تسدّ العجز حين ينهار المستورد، فما قيمتها؟

رقم الـ48% الذي أورده الكاتب ليس مجرد إحصاء. هو شهادة ميدانية على أن الإرادة السودانية قادرةٌ على أن تملأ الفراغ، وأن “فرية عجز الصناعة الوطنية” التي روّج لها لوبي الاستيراد، تهاوت أمام واقعٍ ملموسٍ يدخل كل بيت.

والأجمل أن مياسم لم تكتفِ بسدّ الحاجة، بل فهمت أن المؤسسة الحقيقية تبني الإنسان قبل المنتج. فكان دعمها للنازحين والمتضررين امتداداً طبيعياً لفلسفةٍ ترى أن الاقتصاد بلا ضميرٍ جسدٌ بلا روح.

مقال السقا يضعنا أمام نموذجٍ يجب أن يُدرّس: كيف يتحول الصمود الاقتصادي إلى فعل وطني، وكيف يصبح العمل في المصنع معركةً موازيةً لمعركة الكرامة.

السؤال الآن ليس لماذا صمدت مياسم، بل لماذا لم يفعل الآخرون مثلها؟
والإجابة تكمن في تلك الكلمات التي ختم بها المقال: “الوطن يُبنى بسواعد أبنائه”. فمن لم يبنِ، فليصمت على الأقل ولا يخذّل.

تحية لمياسم.. وتحية لكل من آثر أن يبقى ويُعمّر، حين كان الهروب أسهل الطرق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى