مقالات

شموخ عمر تكتب …سُعارُ المادة وسقوط الجدار الرابع في رثاء الخصوصية وصناعة البطولة المزيفة

شموخ عمر تكتب: حين تتحول الدمعة إلى دولار والانهيار النفسي إلى مشروع استثماري في مزاد اقتصاد الانتباه

يمر عالمنا اليوم بمنعطف جمالي وأخلاقي حاد تحولت فيه الفضيلة إلى عملة كاسدة وتصدر المشهد نوع جديد من القبح الأخلاقي الذي لا يكتفي بالظهور بل يطالب بالتصفيق والتبجيل. إن ما نشهده على منصات التواصل الاجتماعي ليس مجرد عفوية رقمية بل هو هدم ممنهج لقدسية النفس البشرية وتحويل الانهيارات النفسية والفضائح الأسرية ولحظات الانكسار الوجودي إلى عمل بطولي يعرض في سوق مفتوح يحكمه هوس المادة واقتصاد الانتباه.

الرأسمالية الرقمية.. الدموع كاستثمار رأسمالي

لم تعد خوارزميات المنصات الرقمية مجرد معادلات برمجية بل تحولت إلى غرف مزادات علنية لبيع المشاعر الإنسانية. في هذا الاقتصاد القائم على جذب الانتباه اكتشف صناع المحتوى أن الاستقرار ممل وأن السكينة لا تجلب الإعلانات وبناء على ذلك أصبحت الدراما والنكد واستعراض الفواجع هي السلع الأكثر رواجاً.
فالدمعة المنهمرة أمام الكاميرا تساوي آلاف المشاهدات والانهيار النفسي على الهواء مباشرة يترجم فوراً إلى مبالغ دولارية ودعم مادي مباشر. لقد جردت المشاعر من أبعادها الإنسانية وأصبح الألم مشروعاً استثمارياً يدر ربحاً وفيراً على حساب الكرامة.

سيكولوجية الضحية.. صناعة البطولة المزيفة

في الأزمنة الخوالي كان البطل هو من يتجاوز محنته بكبرياء وصمت يلملم شتات نفسه في خلوته ويخرج للعالم صلباً كالجبل. أما اليوم فقد انقلبت الموازين واعتمدت ثقافة الضحية كصك للنجومية.
يغلف تصدير الانهيار بعبارات براقة ومخادعة من قبيل “المشاركة بشفافية” أو “تكسير طوق الصمت” بينما الحقيقة الكامنة وراء الكاميرا هي بحث سعاري عن التعاطف الفوري. إن تدفق التعليقات والمواساة الرقمية يغذي الدماغ بجرعات مكثفة من الدوبامين مما يدفع الإنسان إلى إدمان هذا الشعور ليتحول مع الوقت إلى ممثل ومخرج ومونتير لحزنه الشخصي مفتعلاً انكسارات جديدة ليبقى تحت الأضواء.

انتهاك الحرمات وفقدان قدسية اللحظة الخاصة

إن أشد ما يبعث على الأسى في هذه الظاهرة هو زوال الستر ونزع المهابة عن أكثر اللحظات قدسية وحرمة في حياة الإنسان. الموت، المرض الشديد، غرف العناية المركزة ودموع القهر والأسرار الزوجية كلها كانت أموراً تحاط بالسكينة والخصوصية والاسترجاع.
الآن يضع المرء هاتفاً ذكياً ليوثق بكاءه على فراش موت قريبه أو يصور تفاصيل خلافه مع شريك حياته ليشاركها مع ملايين الغرباء. هنا ماتت العفوية تماماً وصار الإنسان مستعداً لتعرية روحه وبيته وبيعهما في سوق النخاسة الرقمي من أجل تصفيق افتراضي زائل ومكسب مادي مؤقت.

غسيل الدماغ المجتمعي والتطبيع مع الفجاجة

إن التكرار المستمر لرؤية هذه المشاهد المنحطة أخلاقياً يؤدي بالضرورة إلى تطبيع القبح في الوعي الجمعي للمشاهدين. فكثرة مخالطة البذاءة اللفظية وفضح الأسرار والوقاحة تحولها في ذهن المتلقي من سلوكيات مقززة ومرفوضة إلى مادة للتسلية والترفيه اليومي.
لقد أصيب الذوق الأخلاقي العام بالتبلد تماماً كما أصيب الذوق البصري بالتسطيح فأصبح المجتمع يتعايش مع القبح النفسي والسلوكي وكأنه هو الأصل والنموذج البديل للحياة المعاصرة.
إن العالم اليوم يمر بحالة من الانفلات المادي جردت الإنسان من هدوء بيته وكرامة مشاعره وحياء سلوكه وما لم يستعد الوعي الإنساني سلطته ويضع خطاً فاصلاً بين ما يعاش بخصوصية وما يعرض للعامة سنبقى ندور في فلك مسرحية عبثية كبرى أبطالها منكسرون وجمهورها متبلد والمستفيد الوحيد فيها هو الآلة وخزائن الشركات العملاقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى