
▪️لم يكن العرض الذي قدمه رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بإنشاء منطقة اقتصادية حرة على البحر الأحمر، وفتح أبواب الاستثمار في الذهب والنحاس، مجرد عرض اقتصادي عابر، بل كان إعلاناً عن تحول استراتيجي في بوصلة السودان الخارجية، ورسالة تقول إن الخرطوم لم تعد تنتظر على عتبة الغرب، بل تطرق باب الشرق بقوة. فالبرهان، وهو جنرال يعرف وزن الجغرافيا، لم يذهب إلى موسكو ليبيع ذهباً، بل ليبيع موقعاً، والموقع هو أغلى ما يملكه السودان اليوم.
▪️البحر الأحمر اليوم ليس بحراً، بل هو شريان العالم. اثنا عشر بالمئة من التجارة العالمية تمر عبر باب المندب، وكل قوة كبرى تريد موطئ قدم عليه. أمريكا في جيبوتي، والصين في جيبوتي، وفرنسا في جيبوتي، وروسيا تبحث منذ سنوات عن قاعدة دافئة على هذا البحر الساخن. عرض البرهان لمنطقة اقتصادية حرة، ليس مجرد منطقة جمركية، بل هو دعوة لروسيا لتكون شريكاً في واحد من أهم الممرات المائية في العالم. المنطقة الحرة المقترحة، وإن لم يحدد مكانها بدقة، لكن كل المؤشرات تشير إلى محيط بورتسودان أو سواكن، تعني أن روسيا ستملك بوابة لتصدير القمح والسلاح والآلات، واستيراد الذهب السوداني دون المرور عبر العقوبات الغربية الخانقة. التوقيت ليس صدفة. السودان يخوض حرباً، والغرب يتعامل معه بحذر، وموسكو تبحث عن حلفاء جدد بعد عزلتها الأوكرانية. هنا تتقاطع الحاجتان: الخرطوم تحتاج سلاحاً واستثماراً بلا شروط سياسية، وموسكو تحتاج ذهباً ونفوذاً وميناءً دافئاً.
▪️السودان يملك ثالث أكبر احتياطي ذهب في أفريقيا، وينتج رسمياً حوالي مئة طن سنوياً، وما خفي أعظم. لكن الذهب السوداني كان لسنوات يذهب إلى دبي، ومن دبي إلى العالم، دون أن تستفيد منه الدولة. روسيا، عبر مجموعة فاغنر سابقاً وشركاتها اليوم، تعرف طريق الذهب السوداني جيداً. ما يريده بوتين ليس شراء الذهب، بل التحكم في سلسلة إنتاجه. عرض البرهان يعني تعالوا استثمروا بشكل رسمي، عبر شركات معلنة، ومصافي معلنة، بدلاً من التهريب. أما النحاس، فهو القصة الأخطر. السودان يملك احتياطيات ضخمة من النحاس في البحر الأحمر وجنوب كردفان، وهو معدن المستقبل، معدن السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة. روسيا، التي تملك التكنولوجيا ولا تملك الموانئ الدافئة، تريد أن تضع يدها على هذا المعدن قبل أن تسبقها الصين وتركيا. باختصار، البرهان لا يبيع المعادن، بل يعرض الشراكة في مستقبل المعادن.
▪️العرض الاقتصادي يحمل ثلاث رسائل سياسية لا تخطئها العين. الرسالة الأولى لواشنطن: إذا لم تدعموا استقرار السودان، فإن غيركم سيفعل. السودان لن يبقى رهينة لمساعدات مشروطة. المنطقة الحرة الروسية ستكون رداً على القواعد الأمريكية في البحر الأحمر. والرسالة الثانية للقاهرة والرياض: البحر الأحمر ليس بحيرة عربية خالصة، بل هو بحر دولي، والسودان هو صاحب أطول ساحل عليه. ومن يريد أن يؤمن الملاحة، فليؤمن استقرار السودان أولاً. أما الرسالة الثالثة فهي للداخل السوداني: البرهان يقول للشعب السوداني إن الحرب لن تمنعنا من جلب الاستثمار، وحتى ونحن في الحرب، نحن نفكر في ما بعد الحرب، في إعمار لا يعتمد على المنح، بل على الاستثمار.
▪️لكن الطريق إلى الكرملين ليس مفروشاً بالذهب. هناك محاذير يجب أن توضع على الطاولة. أولها فخ العقوبات، فأي استثمار روسي كبير قد يعرض السودان لعقوبات ثانوية غربية، ونحن لا نحتمل مزيداً من العزلة. وثانيها التجربة السابقة، فتجربة فاغنر في الذهب تركت جرحاً في الذاكرة السودانية، بين نهب الموارد وعدم الشفافية. الناس تريد عقوداً معلنة تمر عبر وزارة المعادن والبرلمان، لا صفقات تحت الطاولة. وثالثها السيادة، فالمنطقة الاقتصادية الحرة لا يجب أن تتحول إلى قاعدة عسكرية مقنعة. السودان يريد استثماراً، لا يريد أن يكون ساحة صراع بين روسيا والناتو على البحر الأحمر.
▪️البرهان لاعب شطرنج قديم. هو يعلم أن بوتين لا يمنح شيئاً مجاناً، وأن روسيا تريد ثمناً: تصويت السودان في الأمم المتحدة، ودعم عسكري، وميناء. لكنه أيضاً يعلم أن السودان لا يملك ترف الانتظار. الذهب تحت الأرض لا يطعم جائعاً، والميناء المغلق لا يجلب دولاراً. عرض المنطقة الحرة والذهب والنحاس هو رهان كبير. إن نجح بشفافية وعقود تحفظ سيادة السودان وحق الأجيال في موارده، فسيكون البرهان قد فتح باباً ظل مغلقاً لثلاثين عاماً. وإن فشل، فسيكون مجرد ورقة تفاوضية أخرى على طاولة الكرملين. الكرة الآن في ملعب بوتين، والمحور نيوز سيراقب هل يأتي الدب الروسي إلى شواطئ البحر الأحمر، أم يكتفي بالدفء من بعيد.




