مقالات

معاوية السقا يكتب ….على ضفاف القومية.. بانقا يكتب سطراً جديداً للشمالية

ليست المكاتب وحدها التي تحتاج إلى ترميم، بل المعاني أيضاً. هذه هي الخلاصة التي خرجت بها من تنوير الأستاذ زهير الطيب بانقا في مبنى التلفزيون القومي، الرجل الذي عاد إلى الولاية الشمالية لا كمسؤول يبحث عن منصب، بل كابن يبحث عن ملامح بيت طفولته.

في ستة وعشرين يوماً فقط، فعل بانقا ما لم تفعله خطط مكدسة في الأدراج لسنوات. لم يبدأ بالطلاء والجدران، بل بدأ بالإنسان. “أعدنا الوزارة مبانٍ ومعانٍ”، جملة بدت لي وكأنها بيان فلسفي أكثر من كونها تصريح إداري. فحين تعيد للموظف معنى وظيفته، فإن المبنى سيعاد تلقائياً.

*المنبر.. حين تتكلم الدولة*

أجمل ما في طرح بانقا هو فكرة المنبر الدوري للوزارات. نحن في السودان لا نعاني من شح المعلومات، بل من فوضى المعلومة. أن يخرج الوزير بنفسه، بلا وسيط، ليقول ماذا فعل وماذا أخفق، فتلك ليست إدارة إعلام، تلك إدارة شجاعة. الشفافية التي دعا إليها بانقا هي اللقاح الوحيد ضد وباء الشائعة الذي ينهش جسد الولايات.

*القمح.. والسيادة*

لكن حديث بانقا عن الموسم الشتوي كان مربط الفرس. حين يتحدث رجل الإعلام عن القمح والكبكبي والفول المصري كخبير زراعي، فاعلم أن الرسالة أعمق من الزراعة. الشمالية التي احتضنت النازحين حين ضاقت بهم الخرطوم، حان الوقت أن تحتضن بطونهم أيضاً.

برنامج “المزارع” الذي أعلن عنه في إذاعة الشمالية، ويربط المزارع في قيده بالمسؤول في مكتبه، هو ثورة صغيرة في عالم البيروقراطية. أن يسمع المسؤول أنين الطلمبة مباشرة، دون تقرير منمق، فهذا هو الإعلام التنموي الذي نبحث عنه.

*سيناريو جديد*

طالب بانقا بإعادة كتابة سيناريو الشمالية. وأنا أقول: السيناريو لا يُكتب في الخرطوم، بل يُكتب في حقول القمح في الدبة، وفي جبل البركل، وفي ذهب الشمالية الذي يضيء ولا يُرى.

ما يحتاجه بانقا ليس تصفيقاً، بل شراكة حقيقية بين إعلامه الوليد في دنقلا، وإعلامنا القومي في أم درمان. بين من يزرع القمح، ومن يصنع الخبر.

الشمالية ليست ولاية على هامش الخريطة، هي الخريطة كلها.. وحدها تحتاج لمن يقرأها جيداً.

*ومضة أخيرة:*
نجاح بانقا في 26 يوماً يثبت أن الأزمة في السودان لم تكن يوماً أزمة موارد، بل أزمة إرادة. والإرادة حين تأتي مبانٍ ومعانٍ، تصنع الفارق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى