مقالات

فاطمة حافظ تكتب التحول الرقمي في استثمار الجزيرة.. حينما تتحول الشفافية من شعار إلى نظام

الإعلان الذي خرج من مفوضية استثمار الجزيرة عن قرب تطبيق “التحول الرقمي التام” لا يجب أن يُقرأ كخبرٍ إداري عابر، بل كنقطة تحول مفصلية في فلسفة إدارة الاستثمار في السودان.

ولاية الجزيرة التي تمتلك 50% من المساحات المروية في السودان، كانت مفارقتها التاريخية أنها أغنى ولاية بأصولها، وأفقر ولاية بإجراءاتها. كان المستثمر يأتي محملاً بالمال والفكرة، فيغرق في بحر من الورق، ينتقل ملفه من مكتب إلى مكتب، وتضيع أسابيع في تصديق يمكن أن ينجز في ساعات. هذا النظام الورقي لم يكن بطيئاً فحسب، بل كان بيئة خصبة للوساطة والسمسرة وضياع الحقوق.

ما يطرحه أمير يحي هارون اليوم هو هدمٌ كامل لهذا النموذج القديم.

تحليل المشروع يكشف ثلاثة أبعاد أعمق من مجرد مفوضية بلا ورق. البعد الأول هو قتل زمن السمسرة. حينما يتقلص زمن المعاملة من أسابيع إلى أيام، وحينما يصبح هناك نظام تتبع إلكتروني يستطيع المستثمر من خلاله أن يرى ملفه أين وصل بالضبط، فإنك تكون قد نزعت أهم سلاح من يد السمسار. السمسار كان يبيع الوهم والزمن، يقول للمستثمر أنا أخلصها ليك بسرعة. في النظام الرقمي لا حاجة لوسيط يخلص، لأن النظام نفسه هو من يخلص.

البعد الثاني هو الربط الشبكي وكسر الجزر المعزولة. أخطر ما كان يعطل الاستثمار في الولايات هو أن كل جهة تعمل كجزيرة معزولة. مفوضية الاستثمار في مكان، والزراعة في مكان، والمساحة في مكان، والوالي في مكان. مشروع الربط الإلكتروني مع الجهات ذات الصلة يعني أن الملف الواحد سيدور إلكترونياً بين كل الجهات في وقت واحد، لا أن يحمله المستثمر بنفسه من باب إلى باب. هذا هو مفهوم النافذة الواحدة الحقيقية.

البعد الثالث هو إعادة تعريف تنافسية الولاية. الجزيرة اليوم لا تنافس الخرطوم أو القضارف فقط، بل تنافس إقليمياً. المستثمر الأجنبي أو الوطني الكبير حين يقارن بين ولاية تطلب منه 20 توقيعاً ورقياً، وولاية أخرى تمنحه تصديقاً إلكترونياً متكاملاً، سيختار الثانية. التحول الرقمي هنا ليس رفاهية، بل هو شرط بقاء لجذب استثمارات حقيقية في الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية.

إن خطوة تدريب الكوادر وتأهيل البنية التحتية التي أشار إليها المفوض هي الأهم، لأن التجربة علمتنا أن المشكلة ليست في شراء النظام، بل في قدرة الإنسان على تشغيله.

خلاصة التحليل أن ما يحدث في مدني هو تحويل الاستثمار من علاقة شخصية بين مستثمر وموظف، إلى علاقة نظامية بين مستثمر ودولة. وهذا هو الطريق الوحيد لتحسين مناخ الاستثمار وزيادة تنافسية الجزيرة على المستوى القومي، كما قال المفوض، ولإعادة الجزيرة إلى موقعها الطبيعي كسلة غذاء السودان لا بالأرض فقط، بل بالنظام أيضاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى