
▪️ تخوض عقولنا اليوم أشرس معاركها وأكثرها حساسية، وهي معركة الذاكرة التي تستهدفها مليشيا دقلو بطمس معالمها وتحريف تفاصيلها عبر حربها الظالمة على المواطن والوطن، مستخدمة آلية إعلامية مضللة
تسعى لفرض أكاذيبها بالقوة وتغييب الحقائق الثابتة التي عايشها الشعب السوداني الأبي بكل قسوتها وسط تحديات مصيرية كادت ان تعصف بكيان الدولة.
▪️ ولأن هذه المليشيا تدرك أن السيطرة وحدها على الأرض تظل منقوصة إن بقيت الذاكرة الحية تدين جرائمها والانتهاكات الجسيمة، فإنها تحشد إمكانياتها لتلفيق روايات وهمية تبرر بها فظائعها وتقدم صورة مشوهة للواقع، محاولة غسل أيديها الملطخة بدماء الأبرياء وتمرير ترهاتها عبر الفضاء الرقمي وشبكات التواصل بغرض خداع الرأي العام المحلي والعالمي بأساليب التلاعب المفضوحة.
▪️ ومن خلال تلك المنصات، لم تكتفِ آلة الحرب والعدوان بترويع المواطنين العزل وتدمير البنى التحتية بالسلاح، بل أطلقت كتائب إلكترونية مأجورة تبث الشائعات ليل نهار وتزيف الحقائق الميدانية بغية قلب الصورة وجعل الجلاد ضحية، مستغلة المنابر المفتوحة التي تفتقر للمهنية والمصداقية، مما يجعل معركة الوعي أكثر ضراوة وتتطلب انتباهاً مستمراً لصد هذا الطوفان المتواصل من التلفيق اليومي.
▪️ ومما زاد من خطورة هذا المخطط أن الاستهداف الممنهج لم يقتصر على الأرواح، بل طال دور الوثائق والمكتبات والمتاحف والمراكز الثقافية في العاصمة والولايات، فلم يأتِ عفو الخاطر أو صدفة وسط تبادل النيران، بل مثل خطة دقيقة لمسح الذاكرة الوطنية واقتلاع جذور السودانيين التاريخية، بغية خلق فراغ فكري وثقافي يسهل ملؤه بأباطيل المشروع الوافد الذي لا يحمل سوى الخراب والتخريب لكل ما هو أصيل في بلدنا.
▪️ وعلى أثر ذلك، يشكل تدوين التاريخ في ظل حرب مليشيا دقلو الغاشمة على المواطن والوطن مسعاً فاشلاً لقلب الحقائق وتبرير التدمير الممنهج لمؤسسات الدولة، حيث تسعى تلك العصابات لوسم عدوانها السافر على مقدرات الشعب بأنه نضال مزيف، متجاوزة بلا ضمير حجم الخراب الهائل والترهيب المروع الموجه ضد المدنيين العزل في كافة المدن والقرى دون أي رادع أخلاقي أو إنساني.
▪️ وتتجسد فصول هذه المأساة الميدانية بوضوح أكبر في استهداف المستشفيات والأسواق ومحطات الكهرباء والمياه عبر تالقصف العشوائي، وهي وقائع يومية يعايشها المواطن وتفضح زيف أباطيل قادة المليشيا مهما حاولوا طمسها أو الهروب من مسؤوليتها الجنائية والأخلاقية التي تثبتها الأيام على الأرض.
▪️ ومن هنا تكمن الأهمية القصوى للرصد الميداني والشهادات الحية من الشهود والضحايا في كونها الحصن الأخير المتبقي لحماية الحقائق من الضياع والتزوير المتعمد، فالكلمة الصادقة التي يسطرها القلم الحر تمثل وثيقة إدانة تاريخية قاطعة تسقط أباطيل الباطل وتفضح الادعاءات المغرضة التي تهدف لطمس السطوع الحقيقي للحقيقة التي لا تستطيع أي قوة مهما طغت حجبها عن وعي الأجيال القادمة.
▪️ وإزاء هذا الواقع، يقع على كاهل الكتاب والمثقفين والباحثين السودانيين اليوم واجب وطني وتاريخي حتمته المرحلة الراهنة، يقضي بالتصدي الحاسم لتلك الحملات المغرضة وتفنيد خطاب الكراهية بالدليل والبرهان، فالتخاذل أو الحياد في هذا المنعطف الخطير من عمر الوطن يعد خيانة لدماء الشهداء وتفريطاً بأمانة الكلمة التي يجب أن تسخر بالكامل للدفاع عن كرامة البلاد وبقائها منيعة في وجه المؤامرات.
▪️ غير أن محاولات فرض الرواية الأحادية بقوة السلاح لم تتوقف عند هذا الحد، بل سعت لتدجين الوعي العام وإلغاء التنوع ورفض الآخر، وهي سياسة بائسة انتهجتها المجموعات المعتدية منذ البدء للسيطرة على المجال العام، الا أن وعي الإنسان السوداني وإصراره على حفظ الحقيقة صوتاً والصورة وكلمة قد حطم تلك المساعي وأبقى شعلة الحق متوهجة تنير طريق المقاومة الفكرية والثقافية بكل عزم واقتدار.
▪️ إلى جانب ذلك، لا يمكن باي حال غفلة التواطؤ المشبوه لبعض الأطراف والمنظمات الخارجية التي سعت لترويج رواية المعتدي ومنحه غطاءً سياسياً وإعلامياً لجرائمه، مما يضاعف الأعباء الملقاة على عاتق الإعلام الوطني الحر لكسر هذا الحصار المفروض، وكشف خيوط المؤامرة الإقليمية والدولية الرامية لتصدع كيان الدولة السودانية وإضعاف مؤسساتها الراسخة وتشتيت وحدتها وتماسك شعبها العظيم.
▪️ تحت وطأة هذه التحديات، يبرز الجانب المغيب من الأحداث كأحد أصعب الاختبارات أمام الأقلام الحرة والباحثين الأمناء، نظراً لهول الانتهاكات التي جرت بعيداً عن الأضواء، وتستدعي هذه الملفات شجاعة نادرة وبذل جهد مضاعف لإزالة غبار الخوف والنسيان، وإبرازها للعلن لتكون شاهدة على مرحلة حالكة من تاريخ السودان لا يجوز طيها دون انصاف الضحايا وتدوين مأساتهم كاملة بلا نقصان أو مجاملة لأي طرف.
▪️ وتعبيراً عن هذه المعاناة، تشكل حكايات المهجرين والنازحين قسراً من ديارهم، وما رصدته المبادرات المجتمعية المحلية من شهادات حية داخل معسكرات الإيواء ومناطق النزوح، سجلاً إنسانياً ينبض بالحياة يكشف تفاصيل فظيعة لجرائم التطهير العرقي بعيداً عن التزييف والتدليس.
▪️ وفي مواجهة ذلك كله، يؤدي القلم الصحفي والفكري دوراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه في صد التزييف الممنهج للذاكرة الوطنية، فهو السلاح الفاعل الذي يخترق جدار الصمت ويفكك خيوط المؤامرة الخفية الهادفة لسلخ المجتمع عن هويته، متسلحاً بمهنية عالية ومعلومات ميدانية دقيقة تنقل نبض الشارع الحقيقي وتوثق آلامه وتطلعاته بأمانة تامة ومسؤولية وطنية خالصة.
▪️ ونتيجة لهذا الصمود، تتحطم كافة محاولات التشويه على صخرة الوعي الشعبي المتجذر في جذور التاريخ السوداني العريق، فالشعوب المؤمنة بالحرية والبقاء قادرة دوماً على صيانة ذاكرتها من التلوث والتحريف، وتظل هذه الشهادات الحية السد المنيع الذي يضمن للأجيال القادمة حق معرفة الحقيقة مجردة مهما غلت التكاليف وطال أمد الصراع ضد قوى الظلام والارتزاق والعمالة الرخيصة.
▪️ ويبقى التاريخ السوداني منيعاً بوجه كافة أشكال التحريف والتشويه المخبأة في الغرف المغلقة، لأن حروفه اليوم لا تُسطر بأحبر الطباعة وحدها، بل تختلط بدماء الشهداء الطاهرة وبطولات الشرفاء في ميادين العزة والكرامة، لتظل وحدها السجلات الحية لجرائم مليشيا دقلو في حربها الغادرة على المواطن والوطن ماثلة في الضمير الجمعي، كشاهد لا ينطفئ على جسامة التضحيات التي مهرها الشعب السوداني بدمائه ليحمي كرامته ويصون أرضه من دنس المعتدين.



