
في سؤالٍ واحد يختصر أزمة اقتصاد بأكمله: من يحمي المنتج المحلي؟
ليس سؤالاً استنكارياً، بل سؤال وجود. فلا نهضة بلا صناعة، ولا صناعة بلا حماية، ولا حماية بلا قرار.
لشهورٍ طويلة ظللنا نرفع شعار “ادعم المنتج الوطني” ونحن نعلم في دواخلنا أن المنتج نفسه يصارع للبقاء. يصارع انقطاع التيار، ويصارع فاتورة الجبايات، ويصارع إجراءاتٍ معقدة تقتل الفكرة قبل أن تتحول إلى مصنع.
*ثلاثة مفاتيح للصناعة الحقيقية*
إذا أردنا صناعة حقيقية، لا شعارات موسمية، فالطريق واضح ومختصر في ثلاثة عناوين:
*أولاً: توفير الطاقة*
المصنع بلا كهرباء كالجسد بلا نبض. لا يمكن لخط إنتاج أن ينافس وهو يعمل بالمولدات، ولا لمنتج أن يصمد أمام المستورد وكلفة الطاقة تأكل هامش ربحه. توفير طاقة مستقرة وبأسعار تشجيعية ليس رفاهية، بل هو شرط بقاء.
*ثانياً: إيقاف نزيف الجبايات*
ما بين رسوم المحليات والولايات والاتحاد، تضيع المصانع بين الدفاتر. الجبايات العشوائية تقتل صغار المنتجين قبل الكبار، وتحول أي ميزة نسبية إلى عبء. الصناعة تحتاج إلى بيئة مالية عادلة، لا إلى سوق جباية.
*ثالثاً: تسهيلات عبر النافذة الواحدة*
المستثمر الذي يمضي شهوراً بين توقيع وآخر، يخسر الرغبة قبل أن يخسر المال. النافذة الواحدة ليست ترفاً إدارياً، بل هي إعلان نية. إعلان بأن الدولة جادة في أن تقول للمصنع: “ابدأ.. ونحن معك”.
*الدليل: الإنتاج المحلي قادر إذا وجد الدعم*
الشاهد ليس في النظريات، الشاهد في الميدان.
في أحلك أوقات الحرب، حين تعطلت سلاسل الإمداد واختفى المستورد، كانت هناك مصانع سودانية تسد الفراغ.
*مجموعة مياسم* نموذجاً، استطاعت أن تسد فجوة بلغت *48%* في سلع أساسية، وأثبتت أن المنتج المحلي ليس خياراً ثانوياً، بل هو خط الدفاع الأول عن معاش الناس.
هذا الرقم لا يقول إننا نجحنا. بل يقول إننا “نستطيع” إذا أردنا.
يقول إن الفجوة لا تسدها الحاويات القادمة من الخارج، بل تسدها أيادٍ سودانية، وعقول سودانية، ومصانع تقوم على هذا التراب.
*الخاتمة*
حماية المنتج المحلي لا تعني إغلاق الأبواب في وجه العالم. تعني فتح الأبواب والنوافذ أمام من ينتج هنا.
تعني أن نكف عن معاقبة الصانع بالانقطاعات والرسوم والبيروقراطية، ثم نطالبه بأن ينافس.
السؤال إذن ليس من يحمي المنتج المحلي؟
السؤال: متى نبدأ نحن بحمايته؟
فالقرار الذي يبدأ بالطاقة، ويمر بإيقاف الجبايات، وينتهي بتسهيلات حقيقية، هو وحده القرار الذي يحول “بلد في شاشة” إلى “بلد يُبنى على الشاشة”.
والصناعة لا تنتظر خطاباً. الصناعة تنتظر كهرباء.




