
فكرة الحوار – عموماً – تستند إلى سماع الآخر، من باب الاستفادة والزيادة والمشاركة بالرأي. وفي هذا إثراء للنقاش وتوليد الأفكار ومنح هذا الحق العام في التعبير عن الأشواق والتطلعات. وخاصة أن العباد والبلاد عايشوا تجربة جديدة، ومن حق المواطن أن يطمئن أن كل شيء يمضي إلى خير. وبعد كل ما مررنا به، لا يمكن العودة إلى ذات المربع، ذات التجربة وذات المناورات قصيرة النظر والمنظور.
وخلال الأيام الماضية نشطت قوى سياسية واجتماعية ذات وزن وتأثير في صياغة مشروع وطني جامع أهم بنوده: هو حوار سوداني خالص، بلا ضغوط أو زيف أو أجندة خارجية. هو تعبير عن إرادة عزيزة، فالقامات التي لم تنحنِ للقصف وأزيز الرصاص وغبار المعارك ودخان الاشتباكات لا يمكن أن ترضى بالرضوخ لمطالب خارجية.
وثاني سمات ذلك الحوار، أنه شامل من خلال مسارات ثلاث، وأبرزها وضوحاً هو المسار الأمني وتحكمه اتفاقية جدة بتفاصيلها وخلاصته: لا يمكن التعايش مع مليشيا آل دقلو الإرهابية أو إعادتها للمشهد السياسي السوداني مرة أخرى.
والمسار الثاني هو الإطار السياسي بأبعاده وظلاله وهناك تجارب وطنية عديدة وذات ناتج حيوي وثري.
والمسار الثالث هو المشاركة الشعبية باتساعها ومعرفة آراء الناس كافة. إن أكبر ضامن لحماية مخرجات الحوارات هو تأسيس مظلة حماية شعبية حقيقية، وقد تحقق – بحمد الله – التفاف عظيم وكبير مع القوات المسلحة في دفاعها عن الوطن وترابه. وسيكون ملهماً تحويل هذا التواد والتناصر إلى صف وطني واحد تكون نتيجته لصالح الوطن والمواطن.
سيكون مخيباً للآمال تحويل كل هذا الرصيد الشعبي إلى مجموعات “صالونية” أو “مجموعات” معزولة شعبياً واجتماعياً رغم الدعاية والأموال التي صرفت عليها من ممولين أجانب ومنظمات. أو محاولة تصميم مؤتمرات ذات مظهر سياسي وطابع احتفالي كما حدث من قبل دون الانخراط في حوار حقيقي، فهذا نوع من الأنشطة محدودة الأثر.
ربما يشهد هذا الأسبوع أحداثاً مهمة، ومن بينها لقاءات سياسية رفيعة لرفع الغطاء القانوني عن قيادات قحت للسماح لها بالعودة. والأمر الثاني زيارة وفد من الخماسية للسودان للوقوف على مقترح الحوار السوداني السوداني وتفاصيله.
وفي هذا تفسير واضح لماذا قال الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة عبارته تلك: “ما عدا المؤتمر الوطني”.
وبالمقابل تم التأثير على مسار جهد وطني خالص وإسقاط دور “أصحاب الوجعة” وإقصاء لحلفاء المعركة والميدان. هذا كيل جائر وحمل مائل.
طيلة أيام الحرب حاولت القوى الخارجية فرض إرادتها بالضغوط والمناورات والمداخل والتحالفات، ومنعت حتى العتاد العسكري والذخائر عن البلاد، وهذا ليس سراً. وأنبرت جهود رسمية وأسهمت أطراف سياسية وشخصيات في فتح مداخل مهمة وأدوار مشهودة أحدثت تأثيراً بالغاً في المعركة. والآن نتناسى كل ذلك، في إجحاف ظاهر، ليس في إعطاء ميزة بل حرمان من حق الإسهام بالرأي في مؤتمر عام.
ودون أن نتجاوز دور قوى وطنية استطاعت إقناع المجتمع الدولي بالتخلي عن محاولة تسويق معالجات معزولة وتبني حوار سوداني سوداني لا يستثني أحداً. فمن الذي نصح الفريق أول البرهان بالعودة لهذه الدائرة؟
شهد الأسبوع الماضي – بفضل الله – حدثاً مهماً في ميدان المعركة، حيث وجه سلاح الطيران ضربة موجعة لمليشيا آل دقلو الإرهابية في منطقة المثلث. ونفرد في سرد لاحق تفاصيلها بإذن الله.
وخلاصة القول:
أن المعركة الأهم هي تمتين الوحدة الوطنية.
وأن المعركة الأساسية دحر التمرد الغاشم ومن يسانده ويؤيده.
وأن الصف الوطني المتماسك خير للوطن وللبلاد.
وعلى مؤسسات الدولة كافة توظيف ما جرى للقضية الأهم، ومنها: تقديم شكوى عاجلة للمؤسسات الدولية والإقليمية عن تدفق السلاح والعتاد والذخائر للمليشيا البربرية من خلال طيران دول أجنبية واستغلال مطارات أجنبية حتى أصبحت الكفرة الليبية ومعسكر التويب مراكز تغذية للتمرد. فإن كان للمجتمع الإقليمي والدولي مهمة وضغوط، فعليه أن يكف أيدي الإمارات وتشاد وإثيوبيا وشرق ليبيا عن دعم المليشيا المتمردة. فهذا أولى من المناورات السياسية.
حفظ الله البلاد والعباد.
ولنا عودة بإذن الله بسلسلة “الحوار السوداني والحلم المؤود”.




