
حين اشتعلت نيران الحرب، وعلا صوت الرصاص فوق صوت النيل، لم يكن الوطن وحده في الميدان. خرجت من بين الحارات والأزقة، ومن تحت ظلال النخيل وفيافي البوادي، جموع لم تحمل رتباً ولم تعلق على صدورها أوسمة.. حملت فقط *وجع الوطن وكرامته*.
كانت تلك هي *المقاومة الشعبية*.. ذلك النهر الذي لا ينضب، وذلك السند الذي لا يميل.
لم تكن المقاومة الشعبية جيشاً نظامياً، ولكنها كانت الروح التي تسري في جسد الجيش. كانت العين التي ترصد، واليد التي تسعف، والظهر الذي يُسند عليه المقاتل وهو يمضي نحو المواجهة. فتحت بيوتها للجائع، وضمدت جراح المصاب، ووقفت في وجه الشائعة بكلمة حق، وفي وجه الخوف بثبات الجبال.
في *حرب الكرامة* لم تقاتل المقاومة بالبندقية وحدها. قاتلت بالصبر. قاتلت بإطعام المقاتل لقمة من عرقها، وبإيواء النازح في صدر دارها، وبإيصال الماء لمن عطش في المتاريس. قاتلت وهي تزرع القمح رغم القصف، وتفتح المدرسة رغم الخوف، وترفع علم السودان فوق الأنقاض.
علمتنا المقاومة الشعبية أن الكرامة لا تُشترى، وأن الوطن لا يُدافع عنه بالسلاح فقط، بل *بالإيمان الذي لا يتزحزح*. علمتنا أن المرأة التي تخبز للمرابطين، والشاب الذي يدل الجيش على الدروب، والشيخ الذي يثبت القلوب بالدعاء.. كلهم جنود في معركة واحدة اسمها: *السودان*.
اليوم وبعد أن هدأت بعض الجبهات، يبقى السؤال: من سيكتب تاريخ هؤلاء؟ من سيوثق دموع الأمهات التي تحولت دعاءً، وعرق الشباب الذي تحول متاريس؟
إن *حرب الكرامة* لن تُروى كاملة إلا إذا ذُكر اسم المقاومة الشعبية بحروف من نور. لأنها كانت الضمير، وكانت الصوت، وكانت الدرع الذي لم ينكسر.
*فالمقاومة الشعبية لم تكن هامشاً في المعركة.. كانت المعركة نفسها. كانت الكرامة حين ضاقت بها السبل.*




