
في أزمنة الحرب، تتحول وزارات المالية عادة إلى خزائن طوارئ. مهمتها تنحصر في سؤالين: من أين ندفع الرواتب؟ وكيف نمول الإغاثة؟ لكن في ود مدني اليوم، هناك من قرر كسر هذه القاعدة. وزارة المالية بولاية الجزيرة، بقيادة عاطف محمد إبراهيم أبو شوك، تكتب تعريفاً جديداً لدورها: من خزينة تدفع الفواتير إلى غرفة عمليات تصنع المستقبل.
المتابع لأداء الوزارة منذ اندلاع الحرب يلاحظ تحولاً جذرياً في العقلية. أبو شوك لم يكتفِ بإدارة الأزمة، بل اختار أن يدير “فرصة ما بعد الأزمة”. الفلسفة الجديدة واضحة في كل تصريحاته: “المال وسيلة تشغيل لا تخزين”. أي جنيه يدخل خزينة الولاية ولا يتحول إلى مصنع يدور، أو وظيفة تُخلق، أو خط إنتاج يعود، هو في نظر الوزير “جنيه ميت”. هذا التحول ليس شعاراً. اجتماعه الأخير مع مفوضية الاستثمار والصناعة لم يكن للمراجعة، بل كان إعلاناً صريحاً: الجزيرة اختارت طريق المصنع للخروج من عنق الزجاجة. الإشادة بـ”الأداء المؤسسي” للمفوضية كانت في جوهرها رسالة طمأنة للسوق: “هنا حكومة تعرف ماذا تريد، وتكافئ من يعمل”.
قد يبدو حديث وزير المالية عن “توسيع المواعين الإيرادية” و”خلق فرص العمل” في زمن الحرب ترفاً. لكن قراءة أبو شوك للمشهد مختلفة. الرجل يرى أن تمويل الحرب وحده استنزاف، بينما تمويل المصنع هو “تمويل للحرب بطريقة أخرى”. كل وظيفة في مصنع هي رصاصة أقل في الشارع. تشغيل الشباب هو أقوى سلاح ضد الفوضى والتجنيد العشوائي. وكل منتج محلي هو دولار لا نستورده. دعم الصناعة يعني تخفيف الضغط على العملة الصعبة التي تحتاجها المعركة. وكل ضريبة من مصنع شغال هي مرتب جندي وإغاثة نازح. الاستثمار ليس خصماً من المجهود الحربي، بل هو الرافعة المالية له. بهذه المعادلة، حول أبو شوك الموازنة من “بند إطفاء حرائق” إلى “خطة بناء”. من أرقام جامدة على الورق إلى تدخلات حية في سوق مدني، ومطاحن الحصاحيصا، ومصانع المناقل.
وزارة المالية اليوم لا تنتظر المستثمر في مكتب الوزير. الوزير يذهب إليه في مصنعه. لا تسأله عن “متأخرات ضريبية” قبل أن تسأله: “متى تعود للتشغيل؟ وماذا ينقصك؟”. الرسالة التي تريد هذه الحملة إيصالها هي أن هناك تحولاً حقيقياً يحدث في ود مدني. تحول في عقلية الدولة من “جباية” إلى “شراكة”. من “إدارة فقر” إلى “صناعة ثروة”. الطريق وعر، والتحديات أكبر من أن تُحل ببيان صحفي. الكهرباء، التمويل، الأمن. كلها جبهات مفتوحة. لكن الفارق اليوم أن على رأس خزينة الولاية رجلاً قرر أن يحارب في جبهة الاقتصاد بنفس شراسة جبهة السلاح. رجلاً يؤمن أن الجزيرة لن تعود سلة غذاء السودان بالحواشات فقط، بل بالمصانع التي تقوم جوارها.
هذه هي المادة الأولى من حملتنا “مالية الجزيرة.. مصنع الأمل”. سننزل في الأيام القادمة إلى المصانع التي عادت للحياة، ونحلل معادلة “الرصاصة والمكنة”، ونرسم خارطة الاستثمار، ونغوص في عقلية الوزير الذي قرر أن تكون وزارته “غرفة إنتاج”. لأن الحكاية تستحق أن تُروى. ولأن الرهان الآن على أن تتحول “الإشادة بالأداء المؤسسي” إلى “أثر مؤسسي” يراه المواطن في دخان مصنع، لا في دخان معركة.



