مقالات

شموخ عمر تكتب الغوريلات وأولاد فوزية: حرب التريندات

تصاعدت حدة التراشق اللفظي على منصات التواصل بين بعض الحسابات المصرية والسودانية. من الجانب المصري ظهرت كلمات مثل “غوريلات” و”عبيد”. ومن الجانب السوداني جاء الرد بألفاظ مثل “أولاد فوزية” و”أولاد الرقاصة”.

هذا المشهد كشف عن خلط قديم بين مفهومين: العبودية والعنصرية. ولتفكيكه، يجب الرجوع إلى تعريف العبودية وتاريخها.

العبودية في جوهرها تعني “عبد المنتصر”. أي إنسان أو شعب هُزم في حرب، أو خضع لسلطة دولة أقوى، أو تكسر اقتصادياً، فصار تابعاً لغيره. وهذا التعريف لا علاقة له باللون. فكلمة “عبد Slave” نفسها جاءت من “سلافي Slavic”، إشارة إلى شعوب أوروبا الشرقية البيضاء التي استعبدها تجار البشر في العصور الوسطى. والهنود الحمر استُعبدوا في أرضهم، والرومان استعبدوا الأسرى العرب والبر، والمصريون والفرس والمغول كانت في مجتمعاتهم طبقات رقّ من أبناء جلدتهم. إذن، اللون لم يكن سبباً للعبودية يوماً، بل كان يافطة استخدمها المستعمر الحديث لتبرير جريمة تجارة الرقيق عبر الأطلسي قبل 400 عام.

أما سبب الشتائم اليوم فهو واقعي ومباشر. السودان يمر بحرب أدت إلى نزوح ملايين اللاجئين إلى مصر. ومع أزمة السكن والعمل والضغط المعيشي، ارتفع منسوب التوتر في الشارع وعلى الإنترنت. في مثل هذا المناخ، يبحث الإنسان عن سلاح رمزي ينتزع به تفوقاً نفسياً سريعاً. فتخرج الكلمات المسيئة كبديل عن النقاش.

وهنا يظهر المفهوم الثاني: العنصرية. والعنصرية تختلف عن العبودية. فهي لا تحتاج إلى هزيمة عسكرية. هي قناعة بأن هناك بشراً أقل قيمة بسبب أصلهم أو لونهم، وتظهر بوضوح في أوضاع اللجوء وما يسمى “حالة الاستضعاف”. والمقصود بالاستضعاف هنا هو الوضع المؤقت الذي يكون فيه اللاجئ مضغوطاً بظروف السكن والعمل والإقامة، في حين أن الدولة المضيفة هي التي تملك قوانينها. وهو وضع يختلف تماماً عن العبودية، لأنه ظرف إنساني يمكن تجاوزه، وليس ملكية دائمة.

_والأخطر أن بعض الحسابات اكتشفت أن الشتيمة تساوي شهرة.*
بدأت الحكاية بحساب واحد وعبارة مسيئة ووسم استفزازي. الهدف لم يكن نقاشاً، بل ضجة. وفي زمن الخوارزميات، الضجة تساوي وصولاً. فجاء الرد بصور استفزازية تحت وسم مضاد يحمل لفظ “غوريلات” شخصياً. وهكذا ربح الطرف الأول مشاهدات، ونزل الطرف الثاني إلى نفس مستوى الخطاب الذي يدّعي أنه يرفضه.

هنا يظهر الدرس الرقمي الأهم: السفه لا يُرد بسفه أكبر منه، بل بتجفيف مصدره. الخوارزمية لا تفرق بين الغاضب والمؤيد، هي تقيس التفاعل فقط. وكل تعليق غاضب وكل إعادة نشر للشتمة هو إعلان مجاني للمحتوى المسيء.

الخلاصة أن ما يجري ليس حالة “سيد وعبد” بين دولتين. هو حالة “مضيف ولاجئ” تحت ضغط، زادها تعقيداً منطق “ترند الشتيمة”. فالعبودية تنتهي بزوال السيطرة العسكرية. والعنصرية لا تنتهي إلا بوعي يفرق بين الاستضعاف المؤقت كوضع إنساني، وبين الدونية كفكرة مرفوضة. وأسلم الحلول دائماً: لا تمنح المستفز ما يريده فقط تجاهله .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى