ظاهرة غياب الزوج لسنوات بسبب الاغتراب صارت قدراً اقتصادياً لآلاف الأسر السودانية. يخرج الزوج بحثاً عن لقمة كريمة، يرسل، ويصبر، ويحلم بالعودة. لكن الثمن أحياناً يدفعه البيت كله، لأن الغياب الطويل يخلق فراغاً عاطفياً وأمنياً داخل الأسرة، والفراغ إن لم يُملأ بالثقة والتواصل والرقابة المجتمعية، يُملأ بما لا تُحمد عقباه.
المجتمع السوداني كان متماسكاً لأن فيه رقيب قبلي، ورقيب جار، ورقيب حي. اليوم مع تفك النسيج الاجتماعي، صار كثيرون يتصرفون على قاعدة “ما دام لا أحد يراني”. فتظهر علاقات خارج الأطر، وحمل غير مرغوب فيه، وقرارات كارثية يحاول صاحبها إخفاءها بجريمة أكبر. وهنا لا نتحدث عن حالة فردية معزولة، بل عن خلل قيمي يتكرر كلما غاب الردع الأسري والمجتمعي والقانوني.
والسؤال الذي يفرض نفسه: من المسؤول؟ الأسرة الممتدة التي عليها متابعة ابنتها حين يغيب الزوج لسنوات، فالصمت ليس حكمة دائماً. والمجتمع الذي تحول من سياج أخلاقي إلى متفرج ثم إلى راوي فضائح. والدولة والقانون، لأن غلظة العقوبة وحدها لا تكفي، ونحن نحتاج توعية وخطاباً إرشادياً ومؤسسات تفتح أبوابها للوقاية قبل أن نبحث عن العقاب بعد وقوع الكارثة. وحتى الزوج المغترب نفسه مسؤول، لأن التواصل ليس مالاً فقط، والغياب الجسدي يحتاج حضوراً رقمياً ونفسياً يومياً، وإلا دفع الجميع الثمن.
الاغتراب ليس عيباً، لكن اغتراباً بلا ضوابط هو خطر. نحتاج ميثاقاً أسرياً جديداً بمدة محددة، وتواصل حقي، ورقابة مجتمعية راشدة تنصح وتستر لا تتشفى، وقانون رادع مع مؤسسات وقاية. فالقضايا التي تظهر على صفحات الحوادث لا تبدأ بلحظة الجريمة، بل تبدأ بلحظة صمت طال، وغياب تمدد، وقيمة انكسرت. والبيت السوداني أولى بأن يكون فخراً للوطن كله.



