مقالات

معاوية السقا يكتب.. عطبرة.. حين يصبح الرصيف وطناً موازياً لجباية الغرف وصمت الحكومة

ما يدور في دهاليز الميناء البري بمدينة عطبرة لم يعد نزق إدارة أو نزوة سوق، بل غدا استلاباً صريحاً لسلطة الدولة. مشهد يصرخ طلباً لوقفة لا تحتمل التأجيل، وقرار لا يقبل المساومة، وتدخل عاجل من حكومة ولاية نهر النيل قبل أن يتحول الرصيف إلى غابة تحكمها المصالح لا القوانين.

لقد تجاوزت غرفة البصات السفرية كل حدودها، فصارت فوق اللوائح وتحت إبطها، تفرض إتاوة قدرها عشرون ألف جنيه على كل مركبة تجرؤ على دخول حرم الميناء بحجة دعم الغرفة. جباية بلا سند، ورسوم بلا وجه حق، وإيصالات لا نعلم إن كانت تختم بخاتم القانون أم بخاتم العرف. من منح الغرفة صك الجباية؟ وأين تذهب هذه الأموال؟ هل تعبر بوابة خزينة الدولة أم تضيع في دهاليز موازية؟ قبل هذا كله، أين حكومة الولاية من هذا العبث الذي يدفع ثمنه المواطن من قوت يومه؟ نريد إجابة شافية من السيد الوالي، لا صمتاً يطيل عمر الفوضى.

وإن كان فرض الرسوم بغير وجه حق جرحاً في خاصرة المال العام، فإن الشحن خارج الأسوار طعنة في صدر الأمن القومي. في بلاد تتنفس على وقع المهددات، يصبح رصيف بلا بوابة ثغرة، والثغرة خيانة. حافلات تصطف في العراء، ركاب يصعدون بلا سجل ولا فرز، فلا نعرف من ركب ولا من نزل. يصعد المطلوب للعدالة، ويركب الهارب من القانون، وربما تسلل من يبيت الشر للبلاد. لا تفتيش، لا توثيق، لا أثر.

والخطر لا يقف عند الأمن. فالراكب الذي يشتري مقعده من تحت الشمس يبيع معه حقه في الحياة. حادث عابر يتحول إلى مأساة بلا تذكرة تثبت، وبلا تأمين يعوض، وبلا جهة تسأل. والمركبات التي تعمل خارج السور هياكل تتحرك على حظها لا على فحصها. مكابح أنهكها الزمن، وإطارات ودعت السلامة، وسائق أنهكه السهر فصار يقود وهو نصف نائم. والحمولة الزائدة تقلب المركبة قبل أن تقلب الأقدار، فتصير الرحلة قماراً بأرواح الناس.

تلك الفوضى لم تكتف بتهديد الأرواح، بل شوهت وجه المرفق وأربكت نظامه. فصار الملتزم خاسراً، والمخالف رابحاً، والقانون غريباً في بيته. والمتضرر الوحيد في هذه المعادلة القاسية هو المواطن البسيط الذي يبحث عن مقعد آمن فيرحل على ظهر الخطر.

الصورة بكامل قبحها معروضة الآن على طاولة حكومة ولاية نهر النيل. لم يعد الأمر يحتاج إلى مزيد بيان أو مزيد تأكيد. المطلوب قرار حاسم يكسر شوكة التغول، ويعيد للغرفة حجمها، ويعيد للميناء سلطته، ويعيد للدولة هيبتها. قرار يضرب على يد العابث حتى يعرف أن القانون لا ينتهي عند البوابة بل يبدأ منها.

فإما أن تتحرك الحكومة اليوم بيد لا ترتجف فتستعيد الميناء من قبضة الفوضى، وإما أن تختار الصمت فيتحول صمتها إلى ختم على شهادة وفاة النظام. والتاريخ لا ينسى، ولا يغفر لحكومة رأت الخطر يتسلل من رصيفها فأدارت وجهها ومضت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى