
في زمن الحرب يتحول الصمت من فضيلة إلى جريمة. وفي المشهد الدبلوماسي السوداني اليوم صار الصمت وظيفة رسمية يتقاضى عليها أصحابها رواتب بالعملة الصعبة، بينما يدفع ثمنه شعب أنهكته الحرب والتشريد.
جوهر وجود أي سفارة أن تكون صوت مواطنها حين يضيع، وسنده حين يضعف. لكن آلاف السودانيين المشردين في عواصم اللجوء لم يجدوا في بعثاتهم إلا جدراناً صماء. تأخير في الجوازات، وتعقيد في التوثيقات، وغياب لأي مبادرة إغاثية أو قانونية حين يحتاج السوداني للمساندة. فإذا كانت البعثة عاجزة عن حماية مواطن واحد، فبأي حق تسمى تمثيلاً دبلوماسياً؟
الحرب ليست رصاصاً فقط، بل معركة رواية وكسب تعاطف وعلاقات. وهنا تتجلى المأساة. أين صوت السودان في المنابر الدولية؟ أين الدبلوماسية التي تشرح للعالم أبعاد الكارثة وتجلب الإغاثة؟ بعثاتنا في معظمها اختارت الصمت. لا مبادرات، لا حراك، لا حضور في مراكز القرار. والنتيجة كارثية: رواية السودان مغيبة، ومصالحه معطلة، وفرص دعمه الدولي ضائعة. ندفع ثمن سفارات كي تصمت بينما خصومنا يملأون الدنيا ضجيجاً.
المفارقة القاتلة أن هذا “الصمت الوظيفي” هو الأغلى تكلفة. ملايين الدولارات سنوياً تذهب رواتباً وإيجارات مقار وسيارات وبدلات سفر، لموظفين لا يصدرون بياناً ولا يحلون مشكلة ولا يجلبون استثماراً. كيف تبرر الدولة هذا الصرف في زمن العجز؟ كيف ندفع من قوت الجائع ودواء الجريح لنمول عطالة مقننة باسم الدبلوماسية؟
المطلوب ليس إلغاء التمثيل الدبلوماسي، فالدولة لا تحيا بلا صوت في العالم. المطلوب كسر هذا الصمت المميت وإعادة تعريف الوظيفة. ترشيد فوري بإغلاق البعثات في الدول غير المؤثرة وتحويلها لتمثيل مشترك. الأولوية أن تكون السفارة أولاً مكتب خدمات للمواطن، ثم منبراً سياسياً. ربط الراتب بالأداء: لا راتب بلا إنجاز يقاس بعدد الخدمات المقدمة، والاتفاقيات الموقعة، والدولارات التي جُلبت للوطن. تحويل كل بعثة إلى خلية أزمات هدفها إغاثة السودانيين وفضح معاناتهم أمام العالم.
الشعب الذي يدفع فاتورة الحرب لن يقبل بعد اليوم أن يدفع فاتورة الصمت. إما أن تتكلم سفاراتنا باسم السودان والسودانيين، وإما أن تغلق أبوابها. فالصمت لم يعد وظيفة، الصمت صار خيانة.



