
بعد انقضاء أيام عيد الأضحى المبارك من عام 2024 تبدل حال بلدة “طيبة” الوادعة وفارقها الأمان ليحل محله الخوف والترقب. غادرت السكينة البيوت وبدأت المعاناة الحقيقية تضيق على الصدور بعد أن ظهر الوجه القبيح للجنجويد وظهر كذب ادعاءاتهم بحماية المواطنين العزل وممتلكاتهم، لتدخل المنطقة كلها في نفق مظلم من القهر اليومي والممارسات التعسفية المستمرة. تضاعفت المعاناة عندما تسلم إدارة البلدة قائد جديد يُدعى “آدم” وكان اسمه في وادٍ وأفعاله في وادٍ آخر، إذ استهل عهده بالتضييق على العباد والتدخل السافر في تفاصيل حياة الناس وخصوصياتهم. ولم يسلم من بطشه حتى الجانب الروحي الذي كان ملاذ الأهالي الأخير، فحارب كل مظهر للتعبد وانطفأت الطمأنينة في القلوب وتوقفت حركة الحياة الطبيعية لتتسلل بدلاً منها خطوات حذرة ووجوه مرعوبة تتوقع الأسوأ في كل لحظة.
كانت الغصة الأشد مرارة والتي فطرت قلوب سكان “طيبة” وقرى الجزيرة هي صمت الأذان وغيابه التام عن المآذن والمساجد بسبب تضييق المليشيا وبطشها. هُجرت المساجد وبات الناس يؤدون صلواتهم بالاعتماد على تقدير حركة الشمس وحساب الظل، في مشهد يعيد إلى الأذهان عصور المحن الكبرى حيث يُحرم المسلم من سماع نداء الحق ويصبح الحفاظ على الصلاة مغامرة محفوفة بالمخاطر. واستباح الأوباش أرزاق الناس بلا وازع وفرضوا إتاوات وجبايات أسبوعية باهظة وقسرية على أصحاب المحلات التجارية وبقالات الأسواق التي تكافح للبقاء، ولم تسلم من هذا الجور حتى بقالة ود محجوب. كانت تلك الأموال تُنهب تحت مسمى “رسوم إعاشة” لأفراد ارتكازاتهم، وكان التهديد بالسلاح في وجوه الأبرياء هو الرد الجاهز على كل من يعجز عن الدفع.
وجد المواطن المغلوب على أمره نفسه محاصراً من كل اتجاه، فالضيق يحيط به والفقر قيد حركته وأصبح الخروج والدخول من البلدة خطراً قاصماً. وفي تلك الأيام العصيبة كانت أصوات القصف المدفعي العنيف والاشتباكات تهز الناحية الجنوبية الغربية باتجاه مدينة “عِوض” والمناطق المتاخمة لـ “المناقل” فتملأ الأفق بدوي متواصل يقض المضاجع خلف الجدران. ورغم شدة ذلك القصف وعنفه إلا أنه كان يبعث في النفوس المتعبة نوعاً من الأمل، فصوت المدافع كان يعني أن الطيران الحربي يترصد تحركات الجنجويد ويمنعهم من التمدد نحو “المناقل”. وفي الوقت نفسه كانت جبهة “فداسي” في الناحية الشرقية تشهد قصفاً مماثلاً، ليصبح الأفق من حولنا حزاماً من النار يحبس الأنفاس ويضع المنطقة كلها على كف عفريت.
عشنا أياماً مريرة بين عيدي الفطر والأضحى وكانت الأخبار المفجعة تصلنا بصعوبة عبر قنوات شحيحة، ناقلة تفاصيل المجازر البشعة والانتهاكات الصارخة التي ارتكبتها المليشيا في مناطق قريبة مثل “ود النورة” و”السريحة” و”الهلالية”. كنا نتحس رقابنا مع كل صباح ونتوقع في أي لحظة أن يتكرر في طيبة الشيخ عبد الباقي نفس السيناريو الدموي لمعرفتنا بغدر هؤلاء الأوباش. في هذا الجو المشحون بالخوف تعرضت لموقف قاسٍ فُسِّر في مواقع التواصل لاحقاً بأنه اعتقال كامل، بينما كانت حقيقته “محاولة اعتقال” غادرة بسبب معاملات مالية وتجارية صغيرة كنت أديرها. إذ كان أحد المقربين من “كيكل” وهو ابن عمومة له يقيم في “طيبة” يتعامل معي تجارياً حيث يجلب البضائع من شرق الجزيرة ليضعها في متجري، واستمر الشغل بيننا في شد وجذب فرضته ظروف الحرب القاسية.
تلاحقت الأزمات وتراكمت بذمتي مديونية لصالح هذا الرجل بلغت نحو مليوني جنيه، ولم تكن المشكلة في انعدام المال فالرصيد الكافي متوفر في تطبيق “بنكك”، ولكن شبكات الاتصال والإنترنت كانت مقطوعة تماماً عن المنطقة. وزاد الطين بلة أن شاشة هاتفي تحطمت تماماً لتنقطع بي السبل في ظل انعدام مراكز الصيانة في عموم ولاية الجزيرة حيث انحصرت الخدمة في مدينة “القضارف”. كان التفكير في السفر إلى القضارف انتحاراً رغم قسوة الدين، نظراً للمخاطر المرعبة في الطرقات خاصة وأنني أحمل بطاقة صحفية تكشف هويتي المهنية، فضلاً عن أن مسقط رأسي المثبت في أوراقي الثبوتية يعود للولاية الشمالية وهي المنطقة التي يصنفها الجنجويد عدواً أول لهم. نصحني عقلاء وأعيان “طيبة” بعدم المجازفة بالخروج لوجود سوابق واختطافات طالت أبناء الشمالية والموظفين هناك.
لم يراعِ هذا الدائن الظروف التقنية ولا قسوة الواقع، بل استغل صلة قرابته بنفوذ “كيكل” وحرّض مجموعة من أوباش المليشيا لاعتقالي والزج بي في معتقل المليشيا المرعب حتى يتم سداد المبلغ. وبالفعل جاء الجنجويد إلى البيت مدجين بالسلاح لثلاث مرات متتالية بغرض اقتيادي وأنا غائب عنه، وفي المرة الثالثة واجهوني وهددوني صراحة بالاعتقال الفوري ولم تفلح محاولاتي في شرح الأزمة التقنية حتى تدخل الأجاويد والأعيان. هنا هرعت إلى نقاط “الستارلينك” لإجراء اتصالات مكثفة تحت وطأة هذا التهديد وضيق المهلة، بعد انقطاع تام عن الأهل والزملاء دام قرابة ستة أشهر كاملة منذ فبراير وحتى أغسطس. تواصلت مع زملائي محمد حامد جمعة ومحمد قندول والهضيبي يس والدكتور ياسر محجوب الحسين والأخ ياسر علي طاهر وياسر العطار والأستاذة ابتسام الشيخ، كما أبرقت أهلي في الشمالية ليعلموا بحجم الخطر الذي يحيط بي في طيبة.
هبّ الأهل والزملاء الأوفياء هبة رجل واحد لنجدتي فور سماعهم الخبر وتجاوزوا كل الصعاب المادية ونجحوا في جمع المبلغ المطلوب خلال 24 ساعة فقط وتم تحويله للدائن في وقته لتنتهي الأزمة المالية، لكن تبعاتها لم تتوقف عند هذا الحد. إذ التبس الأمر على أحد الزملاء في الخارج وظن أن المبلغ المطلوب “فدية” لفك أسري بعد اعتقالي فانتشر الخبر المغلوط بسرعة هائلة عبر المنصات والمجموعات الإخبارية. وأثناء تواجدي في مركز “الاستارلينك” لمتابعة الأمر التقيت بزميلة صحفية تقيم في منطقة “المسيد”، ومما زاد الموقف خطورة أنها صاحت فور رؤيتي بدافع الصدمة: “يا أستاذ! ما قالوا اعتقلوك الدعامة؟” وكان عناصر الجنجويد يجلسون في نفس المكان، ولما سمعوا صياحها انتفضوا وبدأوا ينظرون إليّ بنظرات شك وريبة، فتداركت الموقف بحنكة ونفيت الكلام تماماً بصوت عالٍ ومسموع للجميع.
كان أولادي يلحون عليّ بشدة لضرورة الخروج من الجزيرة بعد هذه المطبات الأمنية نظراً لخطورة وضعي الحرج وصفتي الصحفية والجهوية. كنت أخشى عليهم كثيراً، فهم بنتان وولدان، وكان الخوف الأكبر يكمن في ابني الأكبر “عبد الخالق” الذي فقد نسخة رقمه الوطني وهو ما جعل خروجه من الجزيرة عبر الارتكازات مستحيلاً، ورغم إصرارهم بأن أخرج بمفردي وأنجو بنفسي كنت أرفض تماماً مغادرة هذا الجحيم بدونهم. استمر هذا الشد والجذب العائلي حتى فتح الله لنا باب فرج، وتمكنا عبر معارفنا من استخراج نسخة بديلة للرقم الوطني لعبد الخالق من حاضرة الشمالية “دنقلا” وإرسال صورتها عبر “الواتساب”. عندها فقط، وبعد حل هذه المعضلة التي كبلت خطواتنا طويلاً، بدأنا نفكر بجدية وبخطى متسارعة في ترتيبات الخروج لطي صفحة هذا الحصار الخانق الذي دام ثمانية أشهر متواصلة من الرعب والترقب.
نواصل



