مقالات

معاوية السقا يكتب مستشفى إيلا التخصصي بالمناقل: منارة طبية شامخة في قلب معركة الكرامة

حين تضيق الدروب وتتكاثر الجراح، تبرز الصروح التي تُعيد للإنسان كرامته وتُضمّد بالعلم والإخلاص ما أثخنته المحن. وفي قلب مدينة *المناقل* الصامدة، ينهض *مستشفى إيلا التخصصي* شاهداً على أن الطب رسالة، وأن الاستثمار في الإنسان هو أربح التجارات وأبقاها أثراً.

لم يكن مستشفى إيلا مجرد مبنى شُيّد بجدران وأجهزة، بل كان رؤية سبقت زمانها. فبإمكانات تشخيصية وعلاجية *تضاهي كبريات المؤسسات الطبية*، استطاع أن يفرض حضوره كمركز مرجعي لولاية الجزيرة والولايات المجاورة. من غرف العناية المكثفة المجهزة بأحدث التقنيات، إلى أقسام القسطرة القلبية والمناظير الجراحية، ومراكز الأشعة المتقدمة من رنين مغناطيسي ومقطعي، ووحدات غسيل الكلى، وأقسام الجراحة الدقيقة.. كل ذلك جعل من إيلا ملاذاً آمناً لآلاف المرضى الذين كانوا يتكبدون مشاق السفر إلى العاصمة.

ولما جاءت *حرب الكرامة* لتختبر معادن الرجال والمؤسسات، كان مستشفى إيلا في طليعة الصفوف. فتح أبوابه على مصراعيها لاستقبال *جرحى العمليات* والمصابين من القوات المسلحة والمستنفرين والمواطنين، متحملاً عبئاً يفوق طاقته الاستيعابية. هناك، في غرف العمليات التي لم تهدأ، وفي أروقة الطوارئ التي تحولت إلى خلايا نحل، كتب الأطباء والكوادر الصحية ملاحم من الفداء. أجروا أدق العمليات الجراحية تحت ضغط النزوح وشح الإمداد، ووقفوا سهراً على راحة الجرحى، حتى صار اسم إيلا مقروناً بالوفاء للتضحيات.

هذا الصرح لم يكن ليبلغ ما بلغ لولا عزيمة رجل آمن بأن خدمة الوطن لا تكون بالشعارات وحدها. *الأستاذ شوقي بلة*، مالك المستشفى، قدّم أنموذجاً نادراً في التزام القطاع الخاص بمسؤوليته الوطنية والاجتماعية. فلم يتردد في تسخير كل إمكانات المستشفى لعلاج الجرحى دون حساب للربح والخسارة، بل زاد على ذلك بتوفير الأدوية والمستهلكات الطبية من حسابه الخاص حين تعذرت سبل الإمداد. لقد جسّد بلة مقولة “رأس المال الوطني الصادق”، الذي يرى في معاناة أهله نداءً لا يمكن تجاهله، وفي جرح الوطن جرحاً شخصياً.

إن مستشفى إيلا التخصصي اليوم ليس مجرد مؤسسة علاجية، بل هو *مدرسة في الصمود المؤسسي*. فقد أثبت أن القطاع الخاص حين يتحلى بالبصيرة الوطنية، يصبح ركيزة من ركائز الدولة، وسنداً لجيشها وشعبها في أحلك الظروف. وهو رسالة بأن المدن التي تُبنى فيها المستشفيات قبل البنادق، هي المدن التي تنتصر في النهاية.

سيذكر التاريخ أن في المناقل صرحاً طبياً لم يُغلق بابه في وجه جريح، وأن خلفه رجلاً آمن بأن الكرامة تُصان بالعلم والطب كما تُصان بالسلاح. وسيبقى مستشفى إيلا منارة تشع بالشفاء، ودليلاً على أن السودان غني برجاله ومؤسساته متى ما وُجد الإخلاص.

*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى