
▪️حين ينقضي اليوم الأول من العيد، لا ينتهي نبضه في الصدور، بل يمتدّ ليمنح الشاشة فرصة أخرى لالتقاط أنفاس الناس وأشواقهم. وهكذا جاءت برمجة تلفزيون السودان في اليوم الثاني لعيد الأضحى المبارك، امتداداً هادئاً ومتزناً، لا يروم الإبهار، بل يسعى إلى أن يكون مرآةً للبيت السوداني في شتاته ولمّه.
▪️كان الحضور المباشر هو الخيط الذي ربط الشاشة بالناس، فمن نافذة “مسرحمان 1” في الظهيرة إلى فضاء التهاني المسائية، انفتحت الاستوديوهات على أصوات الجمهور ومعايداته، فكسرت صمت المواد المسجلة ومنحت المشاهد إحساساً بأن الشاشة حاضرة معه لحظة بلحظة. في زمن تفرّق فيه الأحباب، صار هذا التواصل المباشر أغلى من أي استعراض بصري.
▪️ولم تغفل البرمجة عن تنويع خطابها، فخاطبت الشباب عبر “صالون شباب السينما” وحوارات تيسير محمد حسين مع ضيوف من خارج الحدود، ونادت الرياضيين في سهرة مع عوض الجيد الكباشي، وأكرمت العائلة بفواصل الترويح وسهرات سلمى سيد وبرامج الولايات. هكذا لم تشعر أسرة واحدة بالغربة أمام الشاشة، إذ وجد كل فرد فيها ما يلامس ذوقه دون أن تُفرض عليه وصاية ذوقية.
▪️واللافت أن الشاشة راهنت على الذاكرة المحلية، فاستدعت الأسماء التي تشكّل جزءاً من وجدان السودانيين: حافظة الشريف الهندي، سلمى سيد، تيسير محمد حسين، وعوض الجيد الكباشي. لم تهرب إلى المحتوى المستورد الجاهز، بل آثرت أن تعيد تقديم وجوهها، فكان ذلك بمثابة إعادة وصلٍ بين الحاضر والماضي، بين الأجيال التي عاشت على هذه الأصوات والأجيال التي تحتاج أن تعرفها.
▪️وحين مالت الشمس إلى المغيب، انحازت البرمجة إلى الخاتمة الهادئة. فمن منتصف الليل وحتى مطلع الفجر عادت الإعادات والقراءات الدينية لتملأ الفراغ، فتختم يوم العيد بسكينةٍ تُذكّر بأن الفرح لا يكتمل إلا إذا عاد إلى أصله الروحي.
▪️هكذا مرّ اليوم الثاني، لا بضجيجٍ ولا بمفاجآت إنتاجية، بل بوعيٍ رشيدٍ عرف أن مهمة التلفزيون القومي في العيد ليست منافسة المنصات، بل أن يكون مرآةً صادقةً للبيت السوداني. يبدأ بالغناء الرصين، ويمضي بالحوار الهادئ، ويختم بالقرآن، فتتحقق المعادلة الصعبة بين قداسة المناسبة وخفة الاحتفال.




